بقلم عبدالرحيم بخاش

ما خفي أعظم… ليست مجرد عبارة تتردد في المقاهي أو تُلقى على موائد النقاش العابر، بل هي حقيقة تُحاصر كل من يحاول أن يقترب من ملفات الفساد، أو يحاول أن يفك شيفرة هذه الشبكة التي لا تعيش فقط في الظلام، بل تصنعه، وتغذيه، وتستفيد من بقائه
اليوم، حين ينشغل الرأي العام بملف المهداوي أو بغيره من الملفات التي أثارت ضجة قانونية وإعلامية، لا يمكن أن ننسى كلمات وزير العدل عبد اللطيف وهبي حين قال: « إلا لقيتوا الفساد عكّروا ليا. »
جملة بسيطة في تركيبها، لكنها ثقيلة في معناها
ثقيلة لأنها تطرح سؤالاً لا يريد أحد أن يسمعه
أي فساد نقصد؟
هل هو الفساد المالي الذي ينخر الميزانيات ويحوّل المال العام إلى حسابات خاصة؟
أم هو الفساد الإداري الذي جعل المواطن يطارد خدمة بسيطة كما لو كان يطلب المعجزة؟
أم هو الفساد السياسي الذي جعل المسؤول يعيش بمنطق الامتياز لا بمنطق الخدمة؟
أم لعله ذاك الفساد الأخلاقي، حين يصبح من تم تكليفه بحماية المهنة هو أوّل من يدوس أخلاقياتها؟
الفساد ليس خطأً عابراً، بل منظومة
منظومة لها رجالها، لها لغتها، لها تحالفاتها، ولها قدرة مذهلة على التخفي والتكيّف.
فالفساد الحقيقي لا يرتكب بطريقة ساذجة أو مكشوفة… بل يُصنع بذكاء، بصمت، بحسابات دقيقة، وبعيون تراقب كل ثغرة في القانون لكي تستغلها لا لكي تصلحها
ويا للمفارقة
أولئك الذين يُفترض أن يكونوا حماة المهنية، حماة القيم، حماة القانون…
هم أحياناً من يضعون الأخلاق في آخر قائمة الاهتمامات، وكأنها رفاهية فكرية، أو مجرد بند تجميلي للاستهلاك الإعلامي.
ومع ذلك، لا تزال الحقيقة ثابتة
الفساد لا يعيش إلا حين يصمت الشرفاء
ولا يتمدد إلا حين يتحول المواطن إلى متفرج لا إلى فاعل
ولا يصبح أقوى إلا عندما تتحول الرقابة إلى ورق… وتتحول المؤسسات إلى واجهة لا وظيفة.
إنّ معركة محاربة الفساد ليست شعاراً، وليست خطاباً موسميّاً…
بل هي امتحان دولة، امتحان مؤسسات، امتحان ضمير
فإذا كان الوزير يقول « عكّروا ليا »، فلتكن البداية من هناك
من الشفافية، من المساءلة، من إرادة حقيقية لا انتقائية، من قانون لا يستثني ولا يختار ضحاياه.
لأن أخطر أنواع الفساد ليس ذاك الذي يُمارَس في السر، بل ذاك الذي يصبح عادياً…
ذلك الذي يعتاد عليه الجميع حتى يفقد طعمه ورائحته ويصبح جزءاً من الهواء.
والسؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً أمام الجميع هو
هل نحن فعلاً مستعدون لعكر المياه؟ أم أننا نخاف أن يظهر ما في القاع؟
فالملفات كثيرة
والأسماء كثيرة
والقناع لم يسقط بعد
وما خفي
لا يزال أعظم
