بقلم عبدالرحيم بخاش

الدوام لله، وما دامت السماوات والأرض، فإن الحق لا يموت ولو طال به الزمان، والباطل وإن علا صوته لحظة، فمآله إلى خفوت وزوال. والله جلّ في علاه حرَّم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرّمًا، فكيف يُقبل أن يتحول صاحب كلمة وقلم إلى متهم، وأن يُحاصر الصوت الذي ما أراد إلا الحقيقة، لا مجدًا ولا مكاسب ولا موائد تُفرش لصاحب المواقف المهادنة؟
في كل مرة تُفتح فيها جراح قضية حميد المهداوي، يتردد سؤال واحد قبل غيره
كم من ليلٍ مرّ عليه دون نوم؟
كم من ليلة سكنت فيها الأسئلة صدره كحجارة ثقيلة؟
كل فاجعة، كل خبر، كل تسريب، كل تهمة تُلقى عليه جزافًا، كانت سهماً آخر في قلب رجلٍ باتت البراءة رغبته، والحقيقة قضيته، والعدالة حلمه الذي لم يكتمل بعد
غير أن الجراح لم تقف عنده وحده، فهناك امرأة كانت في خلفية المشهد…
امرأة لم تخرج للكاميرات، لم تصرخ في الشارع، لم تكتب بيانًا…
لكنها حملت الوطن والوجع والغياب على كتفيها لثلاث سنوات.
زوجته التي رأت زوجها خلف أسوار السجن، واطفالها صغار لا يفهمون لماذا غاب الأب، ولا لماذا تحولت الدار إلى صمت ثقيل
كيف لبيت كان عامرًا بالضحك أن يتحول إلى وطن للدموع؟
كيف لطفلة تبحث عن حضن أبيها أن تفهم معنى كلمة « محكوم »؟
وكيف لزوجة أن تتحمل كل هذا العار المصطنع، وكل حملات التشهير، وكل السهام التي لم تُوجه لحقيقة، بل لاغتيال صورة وسمعة وأسرة؟
لقد مرضَت… ليس لأنها ضعيفة، بل لأن الحمل كان أثقل من أن يُحتمل.
ولأن الحرب التي عاشوها لم تكن حربًا قانونية فحسب، بل حربًا على النفس والكرامة والإنسان.
من الذي منح لنفسه حق نشر صورها؟
من أعطى الآخرين سلطة التشهير بخصوصياتها؟
من جعل من بيتها مادة قابلة للتداول والإساءة؟
والمؤلم أكثر: من أنصفها؟
لا أحد
ومع كل ذلك… لم تفقد هذه العائلة صبرها، ولا احترامها، ولا ثقتها بأن الله لا يترك المظلوم مهما طال الطريق.
اليوم، بعد كل ما كُشف، وبعد كل تسجيل خرج للعلن، وبعد كل سؤال بات يفرض نفسه بجرأة أمام الرأي العام…
يسأل البعض
هل للمهداوي الحق في بث هذه المقاطع؟
والجواب لا يحتاج إلى شهادة ولا جدل ولا تلاعب بالكلمات:
إن من ظُلم، من شُوّه، من صُودرت كلمته، من عُزل عن العالم لسنوات، من عاش محنة التهمة دون دليل، ومن استُبيحت حياته الخاصة
له الحق، ألف حق، في أن يُسمع صوته، في أن يكشف الحقيقة، في أن يُقدم حجته أمام الشعب لا أمام أوراق صامتة.
هذه ليست مقاطع عادية
هذه صرخة توثيق
هذه ورقة دفاع
هذه شهادة للتاريخ،
هذه براءة تُعرض أمام الشعب، لا أمام الصمت.
التاريخ لا يحفظ الضجيج، بل يحفظ المواقف
والأمة لا تخلّد الأقوى، بل الأصدق
والشعوب لا تنسى من وقف وحده في وجه الريح، لأنه لم يكن يبحث عن معركة… بل عن حق.
فإن كان هناك من كلمة نختم بها، فهي:
لا العدالة تموت، ولا المظلوم يُنسى، ولا الحقيقة تغرق طويلاً في الظلام.
وإن غدًا لناظره قريب.
