
بقلم عبدالرحيم بخاش
أكثر الذين ازدحموا على موائد المناسبات، وما أقل الذين أقاموا في محراب الحقيقة.
لقد نشأت بيننا طبقة من الصحافة لا تعيش إلا على إيقاع الاحتفالات، ولا تستفيق إلا حين تُفتح أبواب الولائم الإعلامية. صحافة لا تقتات من نبض الشارع، ولا من أوجاع الناس، بل من الأضواء العابرة التي تلمع ثم تنطفئ، ومن المنصات التي تُنصب ثم تُطوى، ومن الشعارات التي تُرفع ثم تُنسى.
فمنهم من جعل من أخبار السلطة المحلية عقيدة تحريرية لا يحيد عنها، يتتبع خطوات المسؤول كما يتتبع الظل صاحبه، حتى اختلط الخبر بالإشادة، واختنقت المهنة تحت ركام المجاملات. ومنهم من لا يظهر إلا كلما اقترب موسم الانتخابات، فيتحول فجأة إلى محلل وخبير وواعظ وناصح، بينما غاب طوال السنوات عن قضايا المواطن وهمومه. ومنهم من يتسابق اليوم نحو التظاهرات الدولية الكبرى، وكأن الصحافة لم تُخلق إلا لالتقاط الصور التذكارية وتحصيل الاعتمادات والسفرات.
وأمام هذا المشهد، تبرز أسئلة ثقيلة كالرصاص:
هل سيعرف الرأي العام يومًا كيف صُرفت الأموال المرصودة لتغطية هذه الأحداث الكبرى؟
وهل وصلت إلى المواطن مادة إعلامية توازي حجم الإنفاق المعلن أو المضمر؟
وهل أصبحنا نتابع أخبار بعض التظاهرات الوطنية من الصحافة الأجنبية أكثر مما نتابعها من مؤسساتنا الإعلامية؟
ثم أين هي آليات التقييم والمحاسبة؟
وأين هي التقارير التي تُبيّن ما أُنجز وما أُهدر؟
ومن يراقب جودة المنتج الإعلامي حين يكون ممولًا من المال العام؟
وهل تحولت بعض الاعتمادات الصحفية إلى امتيازات شخصية بدل أن تكون أدوات لخدمة الحقيقة؟
أسئلة تتكاثر كلما اقترب موعد حدث دولي جديد، وتتضخم كلما ارتفعت كلفة التغطية وانخفض أثرها.
فالمال العام ليس غنيمة تُقتسم بين المحظوظين، ولا هبة تُمنح لمن يجيد الاصطفاف، بل أمانة ثقيلة تستوجب مردودية واضحة، وإنتاجًا إعلاميًا يليق بحجم الإنفاق، ويبرر أمام المواطنين فلسفة هذا الدعم وجدواه.
إن الصحافة الحقيقية لا تُقاس بعدد الشارات المعلقة على الأعناق، ولا بعدد الصور الملتقطة مع المسؤولين، ولا بعدد الرحلات والاعتمادات؛ بل تُقاس بقدرتها على صناعة الوعي، وكشف الحقائق، ومساءلة النفوذ، والدفاع عن حق المجتمع في المعرفة.
أما صحافة المناسبات، فإنها تشبه الألعاب النارية؛ تبهر الأبصار للحظات، ثم لا تترك وراءها سوى دخان كثيف وأسئلة بلا أجوبة.
