
بقلم عبدالرحيم بخاش
حين يُصبح الضجيج رأياً
لقد أصبحنا نعيش زمناً تُرفَع فيه الضوضاء إلى مقام الحقيقة، وتُوارى فيه الحقائق خلف ستائر الإثارة. زمنٌ تُمنح فيه الفضيحة منابرها، بينما تُحجَب الكلمة الصادقة وكأنها جريمة تستحق النفي.
أصبح نهيق الجهل أعلى من صوت الحكمة، وصخب التافهين أبلغ حضوراً من نداء القيم. لم تعد الشهرة تُنال بالاجتهاد، بل بالاستفزاز، ولم يعد الناس يلتفتون إلى أصحاب الفكر، وإنما إلى صُنّاع الضجيج. فاختلطت المقاييس، وانقلبت الموازين، حتى غدا الرديء نجماً، وأضحى الأصيل غريباً في وطنه.
إن أخطر ما يُصيب الأمم ليس ندرة العقلاء، وإنما كثرة التصفيق للسطحية، حتى يصبح الانحطاط ثقافة، والابتذال إنجازاً، والوقاحة حريةً مزعومة.
ومع ذلك، يبقى الحق كالشمس؛ قد تحجبه الغيوم، لكنها لا تستطيع إطفاء نوره. وسيظل أصحاب المبادئ، وإن خفتت أصواتهم، أكثر أثراً من جموعٍ ملأت الدنيا ضجيجاً ولم تترك فيها إلا الفراغ.
