
بقلم عبدالرحيم بخاش
ارتفع صوت المواطن مطالباً بإعادة الساعة إلى توقيتها الطبيعي، وسارعت الحكومة إلى الاستجابة، وكأن المشكلة الكبرى التي كانت تؤرق المغاربة تختزل في ستين دقيقة تُقدَّم أو تُؤخَّر. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل كانت الساعة حقاً هي الهمّ الأكبر للمواطن؟
فمتى تعود أسعار المحروقات إلى مستوياتها المعقولة بعدما أرهقت جيوب الأسر وأثقلت كاهل المهنيين؟ ومتى تستعيد المواد الغذائية أثمانها الطبيعية بعدما تحولت موائد البسطاء إلى مساحات للاقتصاد القسري والتدبير المؤلم؟
ومتى يختفي سماسرة الأزمات وتجار المعاناة الذين وجدوا في حاجات الناس سوقاً مفتوحة للربح السريع؟ ومتى تتحرر الأسواق من قبضة المضاربين الذين يقتاتون على دموع الفقراء وآهات الطبقة المتوسطة؟
ثم متى تتحول الوعود الانتخابية من شعارات تُرفع في المواسم إلى التزامات تُنفذ على أرض الواقع؟ ومتى يشعر المواطن أن صوته لا يُسمع فقط عند المطالبة بالساعة، بل يُسمع أيضاً حين يطالب بالكرامة والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم؟
ومتى يصبح الحديث عن التشغيل واقعاً لا خطاباً؟ ومتى تستعيد المدرسة العمومية هيبتها ورسالتها؟ ومتى يجد الشباب أبواب الأمل مفتوحة بدل أن تدفعهم الظروف إلى البحث عن النجاة في المجهول؟
ومتى تتراجع الفوارق الصارخة بين من يزدادون ثراءً في زمن الأزمات، ومن يزدادون فقراً كلما ارتفعت الأسعار؟ ومتى يصبح الأمن الغذائي حقيقة ملموسة لا مجرد مصطلح يتردد في الندوات والتقارير؟
إن إعادة الساعة قد تُرضي جزءاً من الرأي العام، لكنها لن تُعيد الدفء إلى جيب أنهكته الأسعار، ولن تُخفف عن أسرة أرهقتها تكاليف الحياة. فالمواطن لا يقيس الزمن بعقارب الساعات، بل يقيسه بقدرته على العيش بكرامة، وبقدر ما يجد من عدالة في الأسعار، وصدق في الوعود، واحترام لعقله وانتظاراته.
فالساعة عادت إلى مكانها، لكن هل ستعود معها القدرة الشرائية؟ وهل ستعود الثقة؟ أم أن عقارب الانتظار ستظل تدور في حلقة مفرغة لا نهاية لها؟
