
بقلم عبدالرحيم بخاش
:
الملكية بين علوّ الرؤية وسقوط الحكومات: قراءة من الأرض إلى السماء
نجلس؟ أم نقف؟ نصمت؟ أم نصرخ؟
ليس كل صمتٍ رضا، ولا كل سكوتٍ مبايعة. لسنا من أولئك الذين يصفقون لكل ما يصدر عن الحكومات، ولسنا من الذين يتخذون من الولاء ستارًا لتزييف الحقيقة. إنّ السكوت الذي يُحمّلنا إياه البعض ليس قبولًا، بل خيبة. خيبة في حكومات تداولت وتناوبت، فاختلفت الوجوه واتّحدت النوايا: نوايا الطمع، والتهافت على الغنائم، والتهافت على سلطةٍ هي عندهم مطية لا مسؤولية
فلماذا الملكية؟ ولماذا لم تنبع المنجزات من رحم الحكومة كما هو منتظر في أي نظام سياسي يرفع شعار الديمقراطية والتعددية؟
الجواب، ببساطة مؤلمة: كم من حكومة تنوّرت بالمناصب لكنها أطفأت شموع الأمل؟ كم من رئيس جماعة انتُخب على ظهر الوعود، فانتهى فوق أكتاف الفساد؟ كم من مسؤول رفع شعار « خدمة الوطن »، فلم يخدم سوى حسابه البنكي؟
انظر إلى المغرب، لا من نافذة الطائرة، بل من زقاق الحي، من مدرسة تهالكت جدرانها، من مستشفى يتنفس وجع الانتظار، من مواطن لا يجد ماءً صالحًا للشرب في أقصى الجبال، من شاب فقد بوصلته في مدنٍ هجرت التنمية واكتفت بواجهة إسمنتية.
لكن إن رفعت بصرك إلى السماء، فسترى مشهدًا مهيبًا: ملاعب بمواصفات عالمية، طرق سيارة تُنافس أجود ما في أوروبا، قطارات عالية السرعة وسكك حديدية حديثة، مطارات فسيحة تُعبّر عن وجه حضاري مشرق. فهل هذه من صنع رؤساء الجماعات؟ هل رسم معالمها وزراء الأحزاب؟ أم أنها أوراش ملكية انطلقت بأمرٍ ملكي، وسُيّرت بروحٍ تتعالى عن الحسابات السياسوية الضيقة؟
الحقيقة التي لا ينكرها عاقل، أن الملكية هي من تحفظ ماء وجه الوطن حين يجفّ حبر العمل في دفاتر الحكومات. فالأحزاب، يا سادة، غابت عن الفعل وحضرت في الخطاب. المعارضة؟ تسكن دهاليز المجاملة. الأغلبية؟ لا تُبدع سوى في تجديد الشعارات. الحكومة؟ تُتقن فن الصمت وتُسيء فهم المسؤولية
نعم، سئمنا. سئمنا لعبة الكراسي التي يتبدّل فيها اللاعبون ولا يتبدّل مصير المواطن. سئمنا الوجوه التي تتكرر، كأنّها لا تُعاقب، ولا تُحاسب، ولا تستحيي
أصبح الشعار السياسي وسيلة لتخدير العقول لا تحفيزها، وأمسى الخطاب الحزبي عبارةً جوفاء لا تسمن ولا تغني من كرامة
إننا نريد حكومة ترى الواقع لا عبر النوافذ المظلّلة لمكاتبها، بل من الأرض، من التراب، من عيون الأطفال وهم يذهبون إلى مدارس بلا مراحيض، من قلوب المرضى وهم ينتظرون دورهم في أقسامٍ طبيةٍ شبه مهجورة
فيا ساكني دهاليز القرار، كفّوا عن خيانة ثقة الشعب، وارتقوا إلى مستوى اللحظة
ويا ملك البلاد، وحدها رؤيتكم العلوية التي أنقذت ماء هذا الوطن من الجفاف الشامل، لكنها تحتاج إلى من يحملها بصدق على الأرض، إلى من يترجمها واقعًا في القرى كما في المدن
فمن الأرض إلى السماء، هذا هو المغرب: وطن عظيم تُحركه ملكيةٌ طموحة، لكنّ الحكومات تُثقل كاهله بسوء التدبير.
فهل من صحوةٍ؟ أم أن السكوت سيظل سيد الموقف… إلى أن يملّ التاريخ من تكرار نفسه؟
