
بقلم عبدالرحيم بخاش
ما أقسى أن يتحوّل المرء من شاهد على مجدٍ مضى إلى أسيرٍ لماضٍ لا يعود… حين يصبح كل ما تبقّى له من الحياة هو البحث عن « مقعدٍ أول » لا لشيء إلا ليقول أنا ما زلت هنا… لم أمت بعد! »
نراهم في كل مناسبة، في كل احتفال، لا يغيبون عن مشهدٍ فيه كاميرا وعدسة، ولا عن موضع تُوزّع فيه الكراسي بتسلسلٍ هرميّ… كأن الكرسي الأول شهادة حياة، وكأن الصورة المنشورة على المنصات إنعاشٌ لروحٍ ذابلة.
كم من متقاعد ما عاد له من شغل إلا ملاحقة عدسات الهواتف، يتصنّع البهجة، ويتدلّى في آخر الزمن على خيوطٍ واهية من الذكرى. عوض أن يرتكن إلى محراب العمر، ويُصغي إلى همس الروح، ويغتسل من ضجيج الماضي بالتقوى والخشوع… نراه يلهث خلف الأضواء، يلبس بدلته القديمة، يعيد نفس الابتسامة الباهتة، ويقنع نفسه أن « الزمن لم يمضِ ».
هذا لا يخص السياسي فحسب، بل الرياضي والصحافي، والفنّي والجمعوي… كلّهم سقط بعضهم في فخّ الوهم: وهم الحضور، وهم التأثير، وهم الخلود
لكن الحقيقة يا سادة لا تحتاج إلى صورة، ولا إلى مقعد، ولا إلى تصفيق. فكم من رجلٍ غادر بصمتٍ، لكنه ترك أثراً لا تمحوه عقود. وكم من شخصٍ جهر بصورته يومياً، ثم لم يعد يذكره أحد حين انطفأت الفلاشات
أليس الأجدر بإنسان بلغ من العمر عتيّاً، أن يُكرّم كرامته بالصمت، ويعلّق تاجه على باب مسجد، لا على باب قاعةٍ ضيّقة؟ أليس أولى له أن يكتفي بما أنجز، إن كان قد أنجز، ويترك الفرصة لأجيال أخرى أن تتنفس؟
إنها مأساة جيلٍ لم يعرف كيف يُغادر المسرح بوقار. جيلٍ يظن أن وجوده مهددٌ إذا لم يظهر، وأن النسيان عدو يجب محاربته حتى بالابتذال
كفى تهافتاً على الموائد. كفى سباقاً نحو الميكروفونات. كفى تعلقاً بصورةٍ فارغةٍ تزيّن بها جداراً إلكترونياً لا يروي عطشاً ولا يُثبت مجداً.
فليرحمكم الله… الراحة أجمل، والسكينة أبلغ، والله أولى بكم من الأضواء
