مشروع الوصاية الإعلامية: انتكاسة دستورية وارتكاس ديمقراطي

بقلم عبدالرحيم بخاش


مشروع الوصاية الإعلامية: انتكاسة دستورية وارتكاس ديمقراطي
في لحظةٍ كان يُفترض أن تشكّل انعطافة نوعية نحو تكريس سيادة القانون وترسيخ حرية التعبير كأحد الأعمدة البنيوية للديمقراطية الدستورية، انزلقت الحكومة، ممثَّلة بوزارة الثقافة والاتصال، إلى مشروع تشريعي لا يمكن توصيفه إلا بكونه ارتكاسًا استبداديًا وتجسيدًا لوصاية سلطوية مقنّعة. إن ما أفرزه الوزير بن سعيد ليس مجرد خطة إدارية عابرة، بل هو هندسة ممنهجة لمأسسة الصمت وتحويل الصحافة إلى جهاز وظيفي تابع، منزوع المخالب، لا يُنتج سوى أصواتٍ متماهية مع السلطة.
إن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في بنود المشروع التي تُصادر حق المجتمع في إعلام حرّ، بل في البنية الفلسفية التي تحكمه: نزعة أبوية تعتبر المواطن قاصرًا، لا يستحق المعرفة ولا يُؤتمن على المعلومة. وهنا، ينهار منطق الدستور الذي كرس حرية التعبير والصحافة باعتبارها من الحقوق فوق-التشريعية التي لا يجوز التضييق عليها إلا بالحدود التي تضمنها دولة الحق والقانون. فكيف ينقلب التشريع ليصبح سلاحًا ضد النصّ المؤسس ذاته؟
إن تمرير هذا المشروع يُشكّل من الناحية الميتا-سياسية تحديًا فجًّا لمبدأ الشرعية الدستورية، بما هو انقلاب على العقد الاجتماعي، ومحاولة إجهاض إمكان قيام صحافة نقدية حقيقية. ولعل الأخطر أنّ هذه الحكومة تراهن على تطبيع الوصاية، أي تحويلها إلى قاعدة معيارية جديدة، بحيث يغدو الاستثناء قاعدة، والحرية مجرد استطراد لفظي في خطابات رسمية لا تعكس الواقع
هنا يثور السؤال الفلسفي-السياسي
هل نحن أمام مجرّد زلّة سياسية ستُردّ أمام المحكمة الدستورية، أم أنّنا بصدد تدشين مرحلة سوداء في مسار الديمقراطية المغربية، ستسجَّل في ذاكرة التاريخ كواحدة من أشدّ لحظات الارتكاس خطورة؟
إن الإجابة لا تكمن في نوايا الوزير أو مبررات الحكومة، بل في قدرة المجتمع المدني، والنخب الفكرية، والمعارضة السياسية على تفكيك هذا المشروع وإحالته على العدم عبر آليات الطعن الدستوري والضغط السياسي. فالسكوت في هذه اللحظة ليس حيادًا، بل هو تواطؤ مع اغتيال بطيء للحرية.
وبالتالي، فإن هذا المشروع لا يكتفي بأن يكون « خطأً » تشريعيًا؛ بل يرقى إلى مستوى النقطة السوداء التي ستظل تلطخ سجل هذه الحكومة، وتجعلها عنوانًا لانحسار الديمقراطية بدل أن تكون رافعة لها