
بقلم عبدالرحيم بخاش
التضحية من أجل الكلمة: بيان ضد تفاهة الصحافة
كنتُ يومًا على قمة عالم المال والجاه، أُدير أضخم الشركات العالمية، أتحكّم في عقول نابغة فرضت وجودها عالميًا في البرمجة والابتكار، وأجني المال الذي يبهرك بقدرته على شراء كل شيء إلا القيم. لكن وسط هذا الزخم المادي، شعرت بالغربة عن نفسي، بعيدًا كل البعد عن حقيقتي، عن عشقي الذي نما منذ أيامي الأولى في مقاعد الدراسة، حيث اكتشفت أن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل رسالة، وأن الكلمة لا تُشترى.
لقد اخترت أن أترك خلفي كل ما هو مادّي وجاه، وأن أُسقط صرح المال والامتيازات، لأغوص في عالم الصحافة النزيهة، مدفوعًا برغبة لا تلين في حماية الإعلام من الهيمنة التي فرضتها ثقافة التفاهة. فالصحافة الرديئة اليوم تجني المال على حساب التزييف، وتحوّل المعرفة إلى سلعة، والقيم إلى أدوات للتطبيل، وكل هذا باسم التفاهة التي تحاول ابتلاع كل شيء.
قررت أن أكون قلماً حرًّا في وجه التفاهة، قلماً يكتب الحقيقة بلا مواربة، ويصرخ في وجه كل من يريد أن يحوّل الإعلام إلى سوق للابتذال، حتى ولو كلفني ذلك أغلى ما كان لي: المال، الجاه، والمكانة التي كنت أحتلها في أعلى قمم السلطة الاقتصادية
إن هذا الاختيار ليس مجرد تحول مهني، بل موقف وجودي، إعلان رفض للزيف، وتمسك بالكرامة. إن الإعلام رسالة، والقلم أداة مقاومة أخيرة، وأي تنازل عن هذا المبدأ، مهما علا المنصب أو تراكم المال، هو خسارة الروح والضمير.
اليوم، أعلنها بكل وضوح: لقد ضحيت بالمال والجاه لأجل صحافة نزيهة، ضد التفاهة التي تسعى للهيمنة باسم الابتذال، لأن الحقيقة، ولو كلفتني كل شيء، لا تفقد قيمتها، والكلمة الحرة هي الدرع الأخير أمام عالم يزدهر فيه الزيف ويهدم فيه المعنى.
