بقلم عبدالرحيم بخاش

في زمن الشطيح والرديح يا سادة، لا تسألوا عن مصانع، لا تسألوا عن مدارس تنهار ولا عن مستشفيات بلا دواء. لا تسألوا عن بطالة ولا عن قروض خانقة. كل هذه تفاصيل تافهة في حضرة السعادة الوطنية العظمى: مهرجانات « ولد الحوات » و »الداودي » وبقية نجوم الفلكلور الوطني الذين صاروا أهم من الوزراء أنفسهم
انظروا إلى الوفود الخارقة وهي تحجّ إلى المنصات كما لو أنها في موسم العمرة، تتسابق على الصفوف الأمامية ليس لسماع خطاب تاريخي، بل لترديد « قولوا العام زين » حتى آخر نفس. وهكذا تُقاس سعادة الشعوب: صفوف طويلة من المواطنين في حالة هيستيريا، يرقصون حتى ينسوا الفواتير غير المدفوعة، يصرخون حتى لا يسمعوا صدى جوعهم.
أي فساد تتحدثون عنه؟ أي قهر وأي مجاعة؟ الحكومة يا أحبابي قامت بدورها التاريخي: وفّرت لنا برنامج « أضحك والعب يلقاك الخير. اضحك والعب الدنيا غدارة »، نسخة مجانية كل صيف، على حساب الميزانية العامة. نعم، لقد اكتشفت السلطة أن الحلّ بسيط: دعوا الشعب يشطح وينسى الخراب، فالناس لا تأكل خبزاً، بل « نغمة » و »إيقاع ».
والأجمل أن من يجرؤ على الاعتراض سيُتهم فوراً بأنه عدو الفرح، إرهابي المزاج، ناشر للطاقة السلبية! تريدون مصنعا؟ تريدون مشاريع تنموية؟ لا، يا حبيبي، نحن شعب حضاري نقتات على « المهرجان ». هذه هي النهضة الجديدة: منصة في كل حيّ، أغنية جديدة في كل ليل، والناس تهتف: العام زين والغلة وافية.
فلتسقط المآسي! فلنترك الفقر جانبا، ولنصفق بكل ما بقي لنا من طاقة. نحن الآن في عالم الشطيح والرديح حيث المواطن سعيد حتى آخر قطرة عرق، والحكومة تبتسم وهي تقول: « بركا علينا من وجع الراس…ما دام الشعب ناشط فكل شيء بخير
