الحيّ المحمدي… حين يُوارى الفنُّ في ركام التهميش

بقلم عبدالرحيم بخاش


الحي المحمدي… حين يُقصى
الفن من مهده

والحيّ المحمدي… حين يُوارى الفنُّ في ركام التهميش
حين نذكر الحي المحمدي، فإننا لا نستحضر حيًّا عاديًّا من أحياء الدار البيضاء، بل نفتح كتابًا عريقًا من تاريخ الفن المغربي، وتنبعث أمامنا أسماء خالدة، ومسارات إبداعية صنعت هوية وطن، وصوت شعب، وذاكرة أمة. الحي المحمدي ليس مجرد موقع جغرافي، بل هو مدرسة، بل هو المهد الأول للفن المغربي ل.
كيف يمكن، إذن، أن يُقصى الفنانون الذين ترعرعوا بين جدران هذا الحي، وتشربوا روحه، وسقوا الفن من عرقهم، وصبرم،

وموهبتهم؟
كيف يُغيب اليوم، عن المشهد الثقافي المحلي، فنانون من طينة طارق الزياني، طارق الخالدي، أحمد ب، عودة سيمو، راني، زبير اعميمي، عبدالواحد ديبان، وأيوب السرحاني؟
كلّهم أبناء الحي المحمدي، وكلّهم يحملون في صوتهم وموهبتهم وملامحهم قصة هذا الحي، وتاريخه، ومجده الفني.
إنّ ما يحدث اليوم من تجاهل مقصود أو غير مبرر من طرف مسؤولي مقاطعة الحي المحمدي لهؤلاء الفنانين، ليس مجرد قرار إداري عابر، بل جريمة أخلاقية وثقافية في حق الفن وفي حق الحي نفسه.
فالحي الذي خرّج ناس الغيوان، لم يكن يومًا بوابةً للإقصاء، بل حضنًا للإبداع، ومنارة للمهمشين الذين حوّلوا المعاناة إلى فن، والغضب إلى غناء، والحلم إلى مسرح.
هؤلاء الفنانون لا يطالبون بالمستحيل، بل يرفعون صوتًا للإنصاف فقط. يطالبون بمكانهم الطبيعي على خشبات الحي، وفي فضاءاته الثقافية، وفي برامجه ومهرجاناته. يطالبون بأن يُستمع إليهم لا أن يُدار لهم الظهر. فهل جزاء الإبداع هو الإقصاء؟ وهل جزاء من اختار طريق الفن هو التهميش في عقر داره؟
أيها المسؤولون…
لا تكونوا ممن يغلق أبواب الحي المحمدي في وجه أبنائه المبدعين.
لا تحرموا الأجيال من فنانين يحملون شعلة الاستمرارية، وهم الأجدر بتمثيل الحي في الداخل والخارج.
ولا تكتبوا تاريخ هذا الحي بمداد النسيان، بل أعيدوا له ما يستحقه من وفاء واعتراف.
الفن لا يموت، لكنكم تقتلون فيه الأمل.
والمبدعون لا يغيبون، لكنكم تحجبون عنهم الضوء.
فليكن هذا المقال صرخة في وجه الصمت، ونداءً للعدالة الفنية في قلب الحي الذي علّمنا كيف نغني، وكيف نحلم، وكيف نثور بالجمال والكلمة والموسيقى.

الحي المحمدي، ذاك الفضاء الذي لا يُعرَف بمجرد طينٍ وأزقّة، بل يُعرف بكونه رحِمَ الإبداع الشعبي، ومسرح الوجدان المغربي، ومحراب الفن المقاوم، هو اليوم – ويا للأسف – يشهد وأد أبنائه في مهد التألق.
من لا يعرف الحي المحمدي، لا يعرف المغرب. ومن لا يعرف أبناءه الفنانين، فقد خسر مفاتيح الروح المغربية الصافية، التي غنّت، ورقصت، وبكت، ووعَت.
أين المنطق، بل أين الضمير، حين يُقصى هؤلاء الأفذاذ من خريطة الفن المحلي؟
أيّ جرمٍ ارتكبوه، سوى أنّهم أخلصوا للّحن والكلمة، وآمنوا برسالة الجمال، ومشوا على خطى الكبار الذين جعلوا من هذا الحيّ أسطورة في الذاكرة الجمعية للمغاربة؟
إنّ ما تُمارسه بعض دوائر المقاطعة، من تجاهل وتعامٍ، ليس موقفًا عابرًا، بل سقطة أخلاقية، واهتزاز في بوصلة الاعتراف. فالفنّان إذا لم يُحتضن في بيئته الأولى، وداخل ترابه الرمزي، أصبح طريدةً للخذلان، وأصبح الوطن نفسه يعتذر عن صُنّاع صورته الناطقة.
إنّ هذه الكوكبة لا تطلب جزاءً ولا شكورًا، بل تسأل إنصافًا لا يكلّفكم أكثر من فتح الأبواب، وإعادة الاعتبار، وكسْر الجدران البكماء.
يا مَن تولّيتم الشأن المحليّ، أما سمعتم صدى الحناجر وهي تغنّي من حرقة القهر؟ أما رأيتم الحيّ المحمدي يبكي، وهو يرى أبنائه يُقصَون كأنّهم غرباء في دارهم؟
دعونا نقولها بالفصيح العالي:
إنّ تجفيف منابع الفن في الحيّ المحمدي هو تجفيف للروح الوطنية ذاتها.
وإنّ إقصاء فنّانيه هو إفراغ للحيّ من هويته الحقيقية، وتحويله إلى صورة بلا معنى، وأصل بلا فرع.
إنّ الفعل الثقافي لا يكون إلا حرًّا، ولا يكون إلا وفِيًّا للذاكرة.
فأطلقوا سراح الفن، وردّوا له كرامته.
واحذروا أن تكونوا أنتم العطبَ الذي يُطفئ الشعلة التي أضاءت ليل هذا الوطن لعقود.