بقلم عبدالرحيم بخاش

حين تتحوّل لغة الجسد إلى إعلان تجاري: دعارة مقنّعة تحت غطاء التدليك
في زمن تشابكت فيه القيم، وتداخلت فيه الحدود الفاصلة بين الفضاء الخاص والعام، نعيش اليوم على وقع انحراف سلوكي خطير يتسلّل بسلاسة إلى قلب المجتمع، عبر قنوات لا تخلو من الجرأة، ولا من وقاحة مفضوحة، توزّع إعلانات الرذيلة على الملأ، تحت غطاء مهني وهمي يُدعى زورًا بـ »التدليك ».
ما يُنشر اليوم على منصات التواصل الاجتماعي، بل وعلى مواقع إشهارية شبه رسمية، يرقى إلى مستوى الفضيحة الأخلاقية. لم نعد إزاء تلميحات أو إيحاءات مبطّنة كما في السابق، بل أصبحنا نشهد عروضًا علنية صادمة: أسعار معلنة، أماكن محددة، صيغ اشتراك متعددة، معجم سافر يخدش الحياء، ويقوّض ما تبقّى من ضوابط أخلاقية. إننا أمام متوالية من الانحدار لم تعد تُخفي مرجعيتها التجارية الجنسية، بل تروّج لها بفجاجة مريبة.
الأخطر من ذلك، أن هذه الظاهرة باتت تسجّل تزايدًا مقلقًا في حضور نساء وافدات، خصوصًا من إفريقيا جنوب الصحراء، يتصدرن المشهد، دون أن تطالهن عين الرقيب، وكأننا أمام سوق مفتوح تُباع فيه الأجساد بغطاء قانوني هشّ، لا يملك سوى الصمت أمام هذا الانهيار القيمي.
فأين هي النيابة العامة من هذا الخطر الداهم؟ أين هي مؤسسات الضبط من هذا « التطبيع المقنّع » مع البغاء الإلكتروني؟ هل ننتظر انفجار فضيحة كبرى أو حدوث كارثة أخلاقية واجتماعية حتى نتحرّك؟ وهل أصبح وعي المجتمع رهينة التراخي والتقاعس أمام سلطة المال، وجاذبية الإثارة، و »حرية التعبير » المغلوطة؟
إن ما يحدث ليس مجرد « تسويق خدمات » في منطقة رمادية، بل هو انخراط علني في إنتاج سوق موازية للفساد الأخلاقي، يُغذّي ثقافة استهلاك الجسد، ويكرّس نوعًا من الاستعباد المعاصر تحت قناع مهني زائف.
إننا ندق ناقوس الخطر، لا من باب الوصاية الأخلاقية، بل من موقع الغيرة على النسيج القيمي للمجتمع، وعلى صورة البلاد التي لا ينبغي أن تتحوّل إلى قبلة للباحثين عن المتعة الرخيصة، تحت أنظار القانون.
نهيب بكل الجهات المعنية — القضائية، الأمنية، والمؤسسات المجتمعية — أن تستعيد زمام المبادرة، وتواجه هذا المدّ بكل ما يقتضيه من حزم وتشريع ومراقبة. فالصمت اليوم، قد يُفهم غدًا كتواطؤ، والتراخي اليوم، قد يُثمر انفلاتًا لا يمكن احتواؤه لاحقًا.
فلنُعد الاعتبار إلى الفضاء العام، ولنعِد للتدليك قيمته العلاجية، ولنجفّف منابع الدعارة المقنّعة، قبل أن يُصبح هذا المرض الاجتماعي مستعصيًا على العلاج.
