
بقلم عبدالرحيم بخاش
نحن نعيش… وهم يصمدون.
نحن نختار… وهم يُحاصرون.
نحن نشتكي من الضجر… وهم لا يملكون دقيقة واحدة للملل.
أنت الآن تقرأ هذا المقال من شاشة هاتفك،
ربما في غرفة دافئة،
أو على فراش ناعم،
وقد تكون قد أكلت منذ قليل،
وربما تشرب شيئًا ساخنًا الآن.
لكن في غزة…
لا أحد يقرأ بهدوء،
ولا أحد يشرب بدفء،
ولا أحد ينام مطمئنًا.
الفرق بيننا وبينهم؟
مسافة ليست على الخريطة…
بل في عمق الإنسانية التي فقدناها.
أنت تتوضأ من ماء صافٍ،
تغسل وجهك، وربما تتأنق قبل الصلاة،
أما هناك…
هم يتممّون على التراب،
أو يغسلون أجسادهم المجروحة بدموع أمهاتهم.
أنت تستحم متى أردت،
تضبط حرارة الماء، تختار عطرك المفضل،
أما في غزة…
الماء نفسه صار خيالًا،
وثيابهم اختلطت بالغبار والدخان والعرق،
حتى لم يعد أحد يعرف لونها الأصلي.
أنت تغيّر ملابسك في اليوم مرتين أو ثلاث،
هم في غزة…
لم يغيروا ملابسهم منذ السابع من أكتوبر.
لأنهم لم يجدوا وقتًا،
ولا مكانًا،
ولا حتى ثيابًا بديلة.
أنت تشتري الطعام…
وتشتكي من غلاء الأسعار.
أما هم،
فلا يشترون شيئًا،
بل ينتظرون صندوق إغاثة لا يصل إلا بعد شهيد جديد.
وإذا وصل… وصل ناقصًا،
باردًا،
أو وصل متأخرًا جدًا… بعد أن مات من كان بحاجة له.
أنت تشاهد المقاطع السخيفة،
تضحك، تتصفح، تمضي الوقت.
أما هم،
فهم الفيديو الحقيقي…
الصوت الذي لا يُبث،
الدمع الذي لا يُشارك،
الدم الذي لا يُفلتر.
أنت تملك هاتفًا،
وإنترنتًا،
وصوتًا على العالم.
أما هو، الطفل هناك،
فلا يملك إلا صوتًا واحدًا… “يا رب، لا تمُت أمي.”
أنت تخاف على رزقك،
وهم يخافون على عائلاتهم من الموت في لحظة،
في قصف، في انهيار سقف، في غارة،
أو حتى… في وجبة ملوثة.
أنت ترتب سريرك،
وهو يبحث عن قطعة إسفنج مهترئة،
أو ينام فوق بلاط خيمة ممزقة،
يتقاسمها مع أسرته… والبرد.
أنت تُفكر في السفر،
وهو يفكر فقط في النجاة من الغد.
أنت تشتري كُتبًا،
وهو يدفن كراسات المدرسة تحت الركام.
أنت تودع أبناءك إلى المدارس،
توصيهم بالنجاح،
وهم…
يودّعون أبناءهم إلى الجنازات.
نحن نُشاهدهم… ونتابعهم.
لكنهم لا يشاهدوننا… لأنهم مشغولون بالحياة أو الموت.
غزة ليست خبرًا. ليست حربًا.
غزة امتحان لنا… كلنا.
فيها تتعرّى أخلاقنا،
وتُختبر إنسانيتنا،
ونكتشف كم صرنا قساة،
باردين،
مشغولين بالتفاهة بينما الكرامة تُذبح في وضح النهار.
إذا لم نبكِ على غزة…
فربما علينا أن نبكي على أنفسنا.
فهم، هناك، فقدوا الكثير…
لكن نحن هنا، فقدنا أكثر: الشعور.
نحن نتوضأ من صنابير الماء العذب، نغسل وجوهنا بطمأنينة، ونسبغ الوضوء كما علّمنا الحبيب، بينما هم في غزة يتمّمون على التراب، أو على ثوبٍ مشبعٍ بدم شهيد، لأن الماء هناك أصبح أمنيةً تؤجلها القذائف.
نحن نستحم متى أردنا، بل نشتكي إذا انقطعت المياه لساعات، أما هم، فقد صار الاستحمام فعلاً من الماضي، منذ السابع من أكتوبر، والعرق ممتزج بالغبار والدم والنار، والثياب لم تُغسل منذ شهور.
نحن نبدل ملابسنا كل يوم، نختار ما يناسب مزاجنا، لوناً ونوعاً، أما في غزة، فالطفل يرتدي ما تبقّى من ثيابه، وقد يموت وهو يرتدي قميصه الأخير.
نحن نشتري طعامنا من الأسواق، ننتقي أصناف الجبن والزيتون والفاكهة، أما هم، فينتظرون شاحنة إغاثة، تتأخر بأسابيع، وربما تُقصف قبل أن تصل، أو تُحتجز على المعبر حتى تفسد.
نحن نشاهد التفاهة، نغوص في شلالات الرفاهية الرقمية، نضحك على مقاطع فارغة، نحلل مباريات، ونستهلك الوقت، بينما هم في غزة هم أبطال المشهد، يتصدرون عناوين الأخبار بدمائهم، ببطولات أطفالهم، بدموع أمهاتهم.
نحن نتصل بالعالم، نرفع هواتفنا لنشكو ضعف الإشارة أو انتهاء الباقة، أما هم، فليس لديهم غير اتصالٍ دائمٍ مع السماء، يرفعون أكفّهم للدعاء، ويقولون بثبات: « حسبي الله ونعم الوكيل ».
نحن ننام على أسرّة مريحة، نضبط المكيف ونختار درجة الحرارة، أما هم، ينامون على ركام منازلهم، أو في خيمة لا تقي من البرد ولا الحر، تتقاسمها العائلات والجراح.
نحن نخطط للمستقبل، نفكر في السفر، في الدراسة، في المشاريع، بينما هم لا يخططون إلا للنجاة.
نحن نخاف من فوات المواعيد، من فقدان وظيفة أو فرصة، أما هم، يخافون من فوات الحياة.
نحن نحتفل بالمناسبات، نزين البيوت ونعلق الأضواء، أما هم، لا يحتفلون إلا إذا نجوا من قصف الليلة.
نحن نودع أبناءنا إلى المدارس، بينما هم يودعون أبناءهم إلى القبور.
نحن ننشر صور حياتنا على وسائل التواصل، وهم ينشرون أسماء الشهداء.
نحن نعيش، وهم يصارعون البقاء.
فيا أيها القارئ في الغرفة المضيئة،
أتعلم أن كل فرق بينك وبينهم هو القدر، والضمير، والمسؤولية؟
أن تكون في النعيم، لا يبرر أن تغضّ الطرف عن الجحيم.
وأن تشاهد من بعيد، لا يعفيك من الواجب.
غزة ليست مجرد مدينة… إنها مرآة لأرواحنا،
إما أن نراها، فنتغير، أو نكسرها ونمضي كأن شيئاً لم يكن.
حين يصير التراب ماءً… والدم هو العطر »
