بقلم عبدالرحيم بخاش

السعادة كما يصفها القرآن: سرّ الطمأنينة الغائبة
يسأل الإنسان عن السعادة، ويتعجّب من اختفائها، ويتوه في دروب الحياة يبحث عنها في المال، أو الشهرة، أو اللذّة العارضة. ولربّما يملك كلّ ما يُحسد عليه، لكنه يبيت حزين القلب، ثقيل الروح، خاويًا رغم الزينة التي تملأ دنياه. ولو تأنّى قليلًا وتأمّل، لوجد أن الله – جلّ وعلا – قد لخّص السعادة في آياتٍ كريمة، لا تحتمل اللبس، ولا تقبل التأويل.
الذكر: مفتاح الطمأنينة
قال تعالى:﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]
فالسعادة ليست في المال، ولا في الجاه، بل في هذا الذكر، الذي يعيد القلب إلى موطنه الأول، إلى مصدره، إلى خالقه. القلب لا يهدأ إلا إذا عُرِض على من خلقه، كآلة لا تعمل إلا بمصدر طاقتها الأصلي
الطمأنينة هنا ليست فرحًا عابرًا، بل سكونًا عميقًا، كأن الروح قد عادت إلى مأمنها بعد طول تيه
الإعراض عن الذكر: بوابة الشقاء
وفي المقابل، يقول تعالى:
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةًضَنكًا [طه: 124]
الضنك هنا لا يعني الفقر المادي فقط، بل ضيق الصدر، وقلة البركة، وشعور متواصل بالتيه والفراغ. فكم من غنيّ لا يعرف للفرح طعمًا، وكم من متنعّم يكتنفه الحزن من كلّ صوب، لأنه أعرض عن ذكر الله، فحُرِمَ المدد.
الزينة لا تعني السعادة
يقول الحقّ سبحانه:
الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف: 46]
زينة فقط، لا أكثر. والزينة لا تشكّل جوهر الشيء، بل تزيّن سطحه. فمن ظنّ أن المال والبنون جوهر السعادة، فهو كمن ظن أن لون الورد أعمق من عبيره. نعم، المال نعمة، والبنون متعة، ولكن السعادة شيء آخر… شيء أعمق… شيء لا يُشترى ولا يُورّث.
السعادة: حالة قلب
السعادة لا تُصنَع في الأسواق، ولا تأتي مع شهرةٍ أو متعةٍ آنية. هي منحة إلهيّة، يزرعها الله في قلب من رضي، وذاكر، وخشع، وعرف أنه عبدٌ لا حول له ولا قوّة إلا بالله. لهذا قال بعض الصالحين:
« لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من نعيم، لجالدونا عليه بالسيوف.
إنها سعادة الرضا، وسكون الطاعة، وطمأنينة السير إلى الله، ولو شقّت القدم دربها بين أشواك الدنيا
ابحث عن السعادة حيث وضعها الله، لا حيث رسمها البشر. اذكر الله كثيرًا، وارضَ بقضائه، واغرس في قلبك يقينًا بأن السعادة ليست هدفًا بعيدًا، بل حالةٌ تُعاش حين يستقرّ الإيمان في القلب، وحين يعرف العبد طريقه.
فالسعادة ليست أن تملك كل شيء، بل أن تثق أن الله هو كلّ شيء
