أيها الوزير وايها المنتخب… أمانة الشعب ليست غنيمة

بقلم عبدالرحيم بخاش


أيها الوزير وايها المنتخب… أمانة الشعب ليست غنيمة
أيها الوزير وايها المنتخب، يا من جئت إلينا مبتسمًا، متواضع المظهر، مترف الوعود، محمّلًا ببرنامج انتخابي نسجته بخيوط الأمل، ومطرّزته بعبارات الوطنية والنهضة، ماذا فعلت حين أُوصدت الأبواب خلفك وجلسْت على الكرسي؟ أين تبخر حماسك؟ أين تلاشت وعودك؟ أين اختفت تلك اللهجة الصادقة التي كنت تخاطبنا بها في الأسواق والساحات؟
لقد صوّت الناس لك لا لأنك الأقرب، بل لأنك الأصدق في أعينهم – أو هكذا خُيّل إليهم. حملوك على أكتافهم من بين الجموع، دفعوك إلى حيث كنت تحلم أن تصل، واعتقدوا أنك ستكون صوتهم في القاعات المغلقة، ودرعهم أمام جشع السلطة، وحارسهم في مواجهة الفساد. فإذا بك، حين استقر بك المقام، أول من غاب صوته، وأول من خلع درعه، وأول من انحنى أمام بريق المال والجاه.
أيها المنتخب، كم مدرسة وعدت ببنائها؟ كم مستشفى وعدت بفتحه؟ كم طريق أقسمت أنك ستشقه؟ أين كل ذلك؟ أم أن المشاريع كانت حبرًا على ورق، لا يُستحضر إلا في الحملات الانتخابية، ثم يدفن في مقابر النسيان بعد إعلان النتائج؟
ثم لنكن صرحاء: هل كُبرت ميزانيتك الشخصية أكثر من ميزانية الإنجاز؟ هل امتلأت « الشكارة » قبل أن تمتلئ قلوب الناس بالرضا؟ نحن لا نراك اليوم إلا على المنصات الرسمية، في المؤتمرات التي تُلتقط فيها الصور ويُصفق فيها للسراب. أما في الأزقة التي أوصلتك إلى المجد، فحضورك معدوم، ووجهك غائب، وخطاك لا تعرف الطريق إليها إلا عند اقتراب الانتخابات.
أيها المنتخب، الأمانة التي وضعت في عنقك ليست غنيمة تُقتسم، ولا فرصة لتصفية الحسابات، ولا جسرًا إلى الثروات الخاصة. هي عهد بينك وبين شعبك، عهد مقدس، لا يحق لك أن تفرط فيه. لكنك، بدل أن تصونه، بعتَه في سوق المصالح، وأهدرتَ ما كان من الثقة فيك، حتى أصبح اسمك على ألسنة الناس مرادفًا للخيانة والنفاق.
أما عن رحيلك بلا حساب، فلا تظنن أن ذلك خلاص. التاريخ ليس دفتر حضور تغلقه عند المغادرة، بل سجلّ مفتوح، يسجل كل تقصير وخيانة. والناس – وإن صمتوا – لا ينسون، وذاكرة الشعوب أطول عمرًا من كل ولاية، وأقسى من كل لجنة تحقيق.
أيها المنتخب، غدًا ستعود مواطنًا عاديًا، وستسير في الشوارع التي أهملتها، وستجلس في المقاهي التي هجرتها، وستسمع الهمسات والانتقادات، وسترى الوجوه التي لم تعد تبتسم لك. حينها ستدرك أن المنصب الذي اعتقدت أنه حصن منيع، كان في الحقيقة قفصًا زجاجيًا، يرى الناس من خلاله كل حركة، وكل خيانة، وكل تواطؤ.
اعلم أن الشعب الذي صمت طويلًا، قد ينهض فجأة، وأن الكرسي الذي منحك المجد قادر على أن يهبك الخزي. وأنك إن لم تحاسب في المحاكم، فستحاسب في القلوب، وإن لم يسقطك القانون، فسيسقطك التاريخ. ومن ظن أن ذاكرة الشعوب ضعيفة، فهو أضعف منها.