بقلم عبدالرحيم بخاش

صحافة الغياطة والطبالة: بين المدح والقدح، مقتل حرية الإعلام ومقتل الشرفاء
تكاثرت علينا وسائل الإعلام وتعددت الأصوات، حتى برزت ظاهرة مقلقة تسيء إلى جوهر الصحافة الحقيقية، ظاهرة يمكن أن نطلق عليها اسم « صحافة الغياطة والطبالة ». هذه الصحافة التي لم تتعلم من أبجديات المهنة سوى فنّ المدح والقدح، ليس عن قناعة أو بحث موضوعي، بل بوسائل مريبة تحكمها أهواء مصالح خفية، لا هم لها سوى تلميع صورة السلطات ورؤساء الجماعات من جهة، وتشويه سمعة الشرفاء من جهة أخرى.
حين يُفتح الباب أمام صحفي أو وسيلة إعلامية لكي تُمجّد من يسميهم « اصحاب الكرمومة »، أي الرشوة والمنافع الشخصية، فإنها بذلك تبيع ضميرها وتتحول إلى مجرد صدى فارغ لا صوت له إلا صوت الطبالة. لا تهمها الحقيقة ولا تهمها المصداقية، بل المهم هو الإشباع المادي على حساب قيم الشرف والنزاهة.
هذا المدح المفرط، هذا التلميع الأعمى، ليس إلا قناعًا براقًا يخفي وراءه فسادًا مستشريًا. فهو يحول الإعلام من سلطة رابعة رقابية إلى جهاز بروباغندا، يخدم أجندات شخصية وسياسية ضيقة، ويرتدي عباءة الحيادية وهو أبعد ما يكون عنها.
أما من لا ينالوا نصيبهم من الكرمومة، أو يرفضون الركوع، فهم عرضة للتشهير والقدح والتشويه. تُستغل الصحافة نفسها كسلاح لتدمير السمعة، وتبدأ آلة القدح في العمل بنهم، تُدخِل الناس في دوامة اتهامات لا دليل عليها، تنال من أعراض الشرفاء وتلطخهم بالباطل، مجرداً إياهم من كرامتهم ومكانتهم.
إن هذه الصحافة الصفراء ليست إلا مرضاً عضالاً في جسد الإعلام، مرض ينخر روح الديمقراطية ويقضي على نزاهة الحوار الاجتماعي والسياسي. كما أنها خيانة للمهنيين الذين يزاولون المهنة بأمانة وإخلاص، والتشكيك في دور الصحافة كمصدر للحقيقة والعدالة.
إنّ مهنة الصحافة ليست مجرد كسب مادي أو صدى للمصالح، بل هي مسؤولية عظيمة تقع على عاتق من يرفع القلم، ليكون صوت الشعب، ولسان حال المظلومين، ومنارة تُضيء دروب الحقيقة مهما كلف الثمن.
لذلك، علينا أن نرفض بشدة هذه الصحافة المزيفة التي تسعى إلى خلق طبقة من « الطبّالة » و »الغياطة »، تحمي الفساد وتلاحق البراءة والشرفاء. وأن نطالب بإنصاف الإعلام الحقيقي الذي يلتزم بالمبادئ، ويرفض الرشوة والابتزاز، ويقف شامخاً ضد كل أشكال القدح والذم التي تفتت المجتمعات وتقسمها.
في النهاية، تبقى الصحافة الحقة هي تلك التي تُظهر الوجه القبيح للفساد وتُبرز جمال النقاء والصدق، فلا تنحني أمام أي كرمومة، ولا تخاف في الله لومة لائم.
