« نحنُ إلى الهاوية… فمن يدلّنا على الطريق؟ »

بقلم عبدالرحيم بخاش


« نحنُ إلى الهاوية… فمن يدلّنا على الطريق؟ »
هل سألتَ نفسك حقًا: من أنت؟ وإلى أين تمضي في هذا الركام الذي ندعوه حياة؟
سؤال يبدو لأول وهلة فلسفيًا، باهتًا، بلا جدوى. لكن الحقيقة أن كل من لم يطرقه بعد، يعيش بغير بوصلة، يسير في ليلٍ بلا نجمة، بلا جهة، بلا وجهة
نعيش في زمن اختلت فيه الموازين، وتآكلت فيه المعاني. المال صار مقياسًا للأهمية، ولو جُمع من الوحل. الجسد صار رأسمالًا، ولو بيع في العلن تحت أضواء الإعلانات. العقل صُلبَ، والروح نُسيت، والقيم حُشرت في أرشيف الذاكرة.
فجور باسم “الحرية”
عُري باسم “التفتح”
دعارة تحت مسمى “الاسترخاء والتدليك”
سخافة وفُحش وتفاهة يسمّونها “ترفيهًا”.
نحن في زمن تساقط فيه كل ما كان يربط الإنسان بإنسانيته.
زمنٌ يُزَفُّ فيه الجاهل، ويُصفَّق فيه للمبتذل، ويُقصى فيه العاقل لأنه لا “يواكب العصر”.
زمن يبيع الأخ شقيقه، ويغدر الابن بأبيه، فقط ليشتري شقة في حي النخبة أو سيارة بلون الواجهة.
الفساد لم يعد عيبًا ولا خجلًا، بل صار منظومة.
تدفع أكثر، تتقدم أسرع، تكذب أكثر، تصعد أعلى.
تسرق فتُمدَح على دهائك، ترتشي فيُقال عنك « فهم السوق ».
هل سألت نفسك:
كم من المال حصدت؟
ولمن؟
وكم من الشقق بنيت؟
وعلى أي أرض؟ وعلى ظهر من؟
الأسئلة كثيرة، والإجابات واحدة
“لا شيء يدوم، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.”
فلماذا كل هذا الهوس بالعابر؟
لماذا نفني أعمارنا لنُرضي ذوق مجتمع مريض؟
لماذا نتواطأ على قيمنا بأيدينا ثم نندب الحظ؟
لم تعد المعركة بين جهل وعلم، بل بين وعي واستلاب.
بين من يقف ليسأل، ومن يغرق في اللهو حتى عن السؤال.
المثقفون ليسوا هواة قراءة ولا جامعي شهادات، بل رُسلُ الوعي في زمن التعتيم.
وأنتم، إن لم تقولوا الكلمة الآن، ستندمون حين تُخرَس الكلمات ويُصادَر اللسان.
نصيحتي لمن فهم: لا تكن تابعًا، لا تكن أداة
احمِ ذاتك، قيّمك، عقلَك، وهُويتك
لا تُصفّق لبذاءةٍ مهما زيّنوها،
ولا تخجل من قيمك، حتى لو سموها “تخلّفًا”
الطريق واضح، فقط لمن يعرف أين يقف

« أيها الإنسان… إلى أين تسير؟ »
توقف لحظة، دع عنك الهاتف، التلفاز، الضجيج…
واطرح على نفسك سؤالًا لا يطرحه أحد في هذا الزمن المجنون:
من أنت؟ وإلى أين تمضي؟
هل حقًا تعرف؟
أم أنك مجرد ترس في آلة ضخمة تدور بك ولا تدري إلى أين؟
هل تقود حياتك، أم تُساق إليها؟
هل تختار، أم تُخَيَّر بين أشكال مختلفة لنفس التفاهة؟
نحن في زمنٍ تاهت فيه البوصلة، لا لأن الطريق غير واضح، بل لأننا فرّطنا في الداخل.
فهذا هو زمن القشور
نلبس الأنيق، نقتني الجديد، نعرض أجسادنا، نصوّر أطباقنا، نعدّل وجوهنا
لكننا لا نسأل:
أين العقل؟ أين الروح؟ أين القيمة؟
لماذا نتباهى بما نملك، ولا نسأل عن معنى ما نملك؟
لماذا نركض وراء الضوء، ونحن نعرف أنه مجرد خداع بصري؟
فالفكر صار ترفًا
والحياء صار عيبًا
والمبادئ تُركت على قارعة الطريق.
نرى الفساد، فلا ننكره.
نشهد الظلم، فنُبرّره.
نصفّق للمبتذلين، ونسخر من النبلاء.
أصبحنا لا نبحث عن الحق، بل عن التبرير لراحتنا وأهوائنا.

كأننا في حالة غيبوبة جماعية،
نسكر بمشاهد الترف، نشتهي دون أن نشبع، نغضب دون أن نغير، نتكلم دون أن نفعل.
لكن الفاتورة قادمة.
ليس فقط في قبرٍ مظلم، بل حتى قبل ذلك
حين يضيع جيل بأكمله في ثقافة الصورة
حين يكبر الأطفال وهم يظنون أن قيمة الإنسان بما يلبس، لا بما يقدّم،
حين تُختزل المرأة في جسد، ويُختزل الرجل في رصيد بنكي.
لن تُنقذنا خطب الحماسة، ولا شعارات الأخلاق،
لن تُنقذنا المسلسلات « التاريخية »، ولا الخطب الدينية الموسمية
بل فقط شيء واحد
الوعي بأن ما يحدث ليس طبيعيًا
الوعي بأن الإنسان أعمق من الجسد، وأغنى من المال، وأشرف من أن يكون بضاعة.
الوعي لا يعني أن ترفض العالم، بل أن تفهمه، وتعرف أين تقف، وكيف تختار.
اسأل نفسك:
ماذا أقرأ؟
من أتابع؟
ما الذي أستثمر فيه وقتي؟
هل أبني نفسي؟ أم أهدمها تحت اسم “الحرية”؟
فيا أيها المثقف… لا تكن صامتًا
أنت آخر الحصون، فلا تكن محايدًا.
الحياد في زمن الانهيار خيانة.
اكتب، اربِّ، ناقش، استنهض، اربأ بنفسك عن القطيع.
فالأمة التي لا يصرخ مثقفوها، يصرخ فيها الجهلاء وتُتخذ قرارات الخراب باسم “رأي الأغلبية”.
فنصيحتي لمن بقي فيه شيء من البصيرة:
اقرأ، تأمل، راجع ذاتك.
عش بكرامة، لا بتقليد.
احترم نفسك، لا لتنال إعجاب الناس، بل لأنك مسؤول أمام الله عن هذه النعمة التي اسمها: إنسان.