بقلم عبدالرحيم بخاش

المراسلون الصحفيون بين مطرقة القانون وسندان الإهمال… إلى متى؟
في المغرب، تتسع الهوة يوماً بعد يوم بين ما يفرضه القانون وما يعيشه الواقع الصحفي على الأرض. فالمشرّع المغربي، عبر القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر، رسم ملامح واضحة للصحافي المهني: عقد عمل، وأجر قار، وبطاقة مهنية صادرة عن المجلس الوطني للصحافة. غير أن هناك فئة كبيرة من الجنود المجهولين في الميدان، يسمّون « المراسلين الصحفيين »، تعمل بلا سند قانوني يحميها، وتخدم كبريات الصحف والمواقع الإخبارية، لكنها تُترك مكشوفة أمام المخاطر، بل ومعرّضة للمساءلة بتهمة « انتحال صفة ».
كيف يمكن أن نصف المفارقة؟
المراسل الصحفي يهرع إلى موقع الحدث قبل أن يكتمل الخبر، يلتقط الصور، يوثّق بالصوت والصورة، ويكتب المادة الإعلامية التي تصنع عناوين الصفحات الأولى. ومع ذلك، قد يجد نفسه في لحظة يواجه قاضياً لا ليسأله عن الحقيقة التي نقلها، بل عن « الصفة » التي تجرأ على حملها.
الإطار القانوني
وفقاً للمادة 2 من القانون رقم 88.13:
« الصحافي المهني هو كل شخص يزاول بصفة أساسية، ومنتظمة، مهنة الصحافة في مؤسسة إعلامية معتمدة، ويتقاضى أجراً مقابل عمله، وله بطاقة الصحافة المهنية صادرة عن المجلس الوطني للصحافة. »
كما تنص المادة 16 من نفس القانون على أن:
« يحمل الصحافي المهني بطاقة الصحافة المهنية، ويمنع على أي شخص لا يتوفر عليها أن يقدم نفسه بهذه الصفة أو يمارس المهام المخولة قانوناً للصحافيين المهنيين. »
وفي المقابل، ينص الفصل 381 من القانون الجنائي المغربي على:
« من تجرأ، بغير حق، على لقب أو وظيفة أو صفة حددت السلطة العامة شروط اكتسابها، يعاقب بالحبس من شهر إلى سنتين وغرامة من مائتين إلى خمسة آلاف درهم. »
بناءً على ذلك، المراسل الذي لا يتوفر على البطاقة المهنية قانونياً ليس صحافياً، وأي تقديم لنفسه بهذه الصفة يعرضه للمتابعة.
أمثلة من الواقع المغربي
• في سنة 2022، أوقف مراسل محلي في إقليم تازة أثناء تغطيته لوقفة احتجاجية، بتهمة « انتحال صفة صحافي » لأنه لم يكن يحمل البطاقة المهنية، رغم أنه يشتغل منذ أكثر من 10 سنوات مع جريدة وطنية معروفة.
• في 2023، تم استدعاء مراسل موقع إلكتروني في العرائش للتحقيق، بعد شكاية من مسؤول محلي، حيث وُجهت له نفس التهمة، رغم أنه كان يغطي نشاطاً عمومياً بطلب من مؤسسته الإعلامية.
• مراسل آخر في إقليم شيشاوة وجد نفسه في السجن الاحتياطي ثلاثة أيام، فقط لأنه عرّف نفسه أمام الشرطة بصفته « صحافياً »، في حين أن عقده مع الجريدة يصفه كمراسل متعاون لا أكثر.
هذه الوقائع ليست معزولة، بل تتكرر في عدة مدن، والسبب واحد: غياب حماية قانونية لهذه الفئة، وتركهم بين فكي الحاجة للعمل ومتطلبات القانون الصارمة.
الحل الممكن
إن الحل لا يكمن في التضييق أو العقاب، بل في الاعتراف بدور المراسلين كركيزة أساسية في المنظومة الإعلامية، ومنحهم مساراً قانونياً واضحاً للاندماج في صفة « الصحافي المهني »، عبر:
• إلزام المؤسسات الإعلامية الكبرى بإبرام عقود عمل مع مراسليها النشطين.
• إحداث نظام انتقالي يمنح المراسلين ذوي الخبرة فرصة الحصول على البطاقة المهنية وفق معايير موضوعية.
• تكوين مستمر يرفع من كفاءاتهم ويؤهلهم للمعايير المهنية المطلوبة.
رسالة إلى المجلس الوطني للصحافة
لا تتركوا هؤلاء الجنود الميدانيين في الظل، ولا تسمحوا أن يصبح القانون أداة لمعاقبة من يحمل مشعل المعلومة في أقاصي القرى والمدن، بينما يظل من خلف المكاتب محمياً بالصفة والألقاب. إصلاح وضع المراسلين ليس منّةً، بل هو حماية لسمعة الصحافة المغربية برمتها.
فالخطر الحقيقي ليس في المراسل الذي ينقل الحقيقة بوسائله البسيطة، بل في الفراغ القانوني الذي يتركه عرضةً للتهم، ويجعل مهنته ساحةً للتشكيك، بدلاً من أن تكون منبراً للمصداقية وخدمة الصالح العام.
