بقلم عبدالرحيم بخاش

الطاهر لخلج… سيدُ خط الوسط الذي أنصفه العشب وخذله الإعلام
في زمنٍ كانت فيه الكرة تُلعب للمتعة، وتُعاش بالشغف، ظهر اسم الطاهر لخلج كعلامة فارقة في وسط ميدانٍ مغربيٍّ كان يعجّ بالأسماء الثقيلة. لم يكن لخلج لاعبًا يُثير ضجيج الكاميرات، لكنه كان لاعبًا يُحدث الفرق في اللحظة التي يصمت فيها الجميع.
من الكوكب المراكشي، خرج كما يخرج الذهب من رحم الجبل: صلبًا، نقيًا، بلا بهرجة ولا تزييف. كان في كل تمريرة يضع ختمًا فنيًا خاصًا، وفي كل تدخلٍ دفاعي يوقع باسمه على دفتر الانضباط التكتيكي. لم يكن لاعبًا « عاديا » بأي مقياس… بل كان نموذجًا لما يُفترض أن يكون عليه لاعب خط الوسط: ذكي، مقاتل، أنيق في قراراته، صارم في التزامه.
خارج الملعب، كان لخلج عكس ما اعتادت عليه عدسات الصحافة. لم يسعَ يومًا للنجومية المصطنعة، ولم يركض خلف تصريحات مثيرة. كان يُفضّل الصمت على الاستعراض، والإنصات على التباهي. رجلٌ حين تتحدث إليه، تشعر أنك أمام مُفكر في شؤون اللعبة، لا مجرد لاعبٍ سابق.
زملاؤه في الكوكب والمنتخب يصفونه بـ »الكتوم الكبير »، و »الوفي للكرة ». لم يتخلّ يومًا عن تمارينه، لم يتأخر عن واجباته، ولم يطلب أكثر مما يستحق. كان يعرف أن اللاعب الحقيقي لا يُقاس بعدد صوره في الجرائد، بل بعدد لمساته الصائبة حين تصمت المدرجات.
حين وطئت قدماه الملاعب الإنجليزية، نظر إليه البعض بشكّ، كما كان يحدث دائمًا مع اللاعب العربي آنذاك. لكنه لم يحتج إلى أكثر من دقائق ليقنع المدرب والجمهور والنقاد، أن القادم من مراكش ليس ضيفًا، بل رجلًا جاء ليبقى.
مع ساوثهامبتون، ثم تشارلتون أثليتيك، كتب فصولًا جديدة من الاحترام والتقدير. الصحافة البريطانية، التي لا تجامل ولا تتسامح مع الخطأ، وصفته أكثر من مرة بـ « الرئة الهادئة للفريق » و »الرجل الذي يشتغل في الظل دون أن يطلب أجراً إضافيًا من التصفيق ».
لعب ضد عمالقة الدوري، وخرج من كل مواجهة مرفوع الرأس، لأن لعبه لم يكن استعراضًا، بل أداءً منضبطًا، وأخلاقًا عالية، لا تُشترى.
لم يكن من اللاعبين الذين « يصنعهم » الإعلام، بل من أولئك الذين يصنعون المجد بأقدامهم ويمضون. وكم في الكرة من نجومٍ مرت دون أن تُسلّط عليها الأضواء، لكنها بقيت في ذاكرة من يفهم اللعبة ويحبّها كما يجب.
الطاهر لخلج لم يُكرّم كما يليق… ولم يُذكر كما ينبغي. لكنه في قلوبنا، وقلوب كل من عايش تلك الحقبة، حيٌّ لا يموت. كل من رأى لمساته في مونديال 98، أو عاش مبارياته في حارثي مراكش، يعرف أن هذا الرجل لم يكن لاعبًا فقط… بل مرجعية كروية مغربية، يُقاس بها الانضباط، وتُروى بها حكايات عن زمن الرجال.
