حين يُعاقَب الجهد وتُهمل الكرامة

بقلم عبدالرحيم بخاش


حين يُعاقَب الجهد وتُهمل الكرامة
كان المساء يهبط ببطء على المدينة، والأضواء الصفراء تتناثر على الأرصفة، حين عاد « محمد » إلى بيته حاملاً يديه الفارغتين بدل أكياس الخبز والحليب. في زاوية الغرفة، جلس طفله الصغير ينتظر كوب الحليب الذي وعده به صباحًا، بينما زوجته تلتقط من عينيه الخبر قبل أن ينطق: لقد صودرت عربته التي كانت مصدر رزقه الوحيد. لم يسأل الطفل عن التفاصيل، لكنه فهم أن العشاء تلك الليلة سيكون صمتًا طويلًا.
في زوايا المدن وشوارع الأحياء، يتكرر مشهد « محمد » مع مئات الرجال والنساء، أرباب أسر يقودون عربات قهوة أو سيارات لخدمات التطبيقات، أو يبيعون ما تيسر من سلع بسيطة. هؤلاء لم يجدوا أبواب العمل مفتوحة، فصنعوا لأنفسهم بابًا من العرق والإرادة. لم ينتظروا صدقات، ولم يمدوا أيديهم إلا للعمل، لكنهم فوجئوا بقرارات توقفهم، بدعوى أن المهنة « غير مقننة ». كأن الحكومة تقول لهم: « إما أن تعملوا تحت مظلتنا… أو لا تعملوا أبدًا »، مع أنها لم توفر لهم المظلة من الأساس.
في كل مرة تُصادر فيها عربة أو يُمنع فيها مشروع صغير، هناك طفل قد ينام جائعًا، وهناك أمّ تضطر لشد الحزام أكثر على بطنها، وهناك رجل يعود إلى بيته خالي اليدين لكنه مثقل بالهموم.
إن دعم هؤلاء ليس ترفًا ولا خيارًا ثانويًا، بل هو واجب إنساني قبل أن يكون التزامًا سياسيًا. فالحكومة التي تحترم مواطنيها تبحث عن حلول تيسر لهم العمل بكرامة، لا عن ذرائع تعيدهم إلى طوابير البطالة.
حين يُعاقب الجهد، تُقتل المبادرة، وحين تُهمل الكرامة، يضيع الوطن من قلب أبنائه.