
بقلم عبدالرحيم بخاش
الجرثومة الخبيثة… حين تلتقي الحقيقة بالرمز
ليست الجراثيم دائماً ما تُرى تحت عدسات الميكروسكوب؛ بعضها يسير بيننا متوشّحاً بالأعلام، متحدثاً بلغة القانون أو التضامن، لكنه في جوهره وباء قاتل للأوطان.
في المشرق، جرحٌ مفتوح اسمه فلسطين، وفي قلبه غزة التي تئن تحت قصف إسرائيل، ذلك الكيان الذي غُرس في لحم التاريخ كإبرةٍ مسمومة، لا يرتوي من الدماء ولا يكتفي بالخراب، يزرع الموت في الأزقة، ويجعل من بكاء الأطفال نشيداً لانتصاراته المزعومة. إنّه المرض الذي يسري في شرايين الأمة كما يسري السمّ في جسدٍ غافل.
وفي المغرب العربي، ظلّ ثقيل اسمه الجزائر، لا يوجّه سهامه نحو العدو الذي ينهش الجسد العربي، بل يفرغ خزائنه لإدامة نزاع الصحراء المغربية، يزرع الشقاق بين الأشقاء، ويغذي الفتنة بدل الوحدة، كأنه اختار أن يكون معولاً لتفكيك الصفّ لا لبنائه.
إنه الداء نفسه، وإن اختلفت أعراضه: هنا احتلال غاشم يلوث سماء الشرق، وهناك دسائس تنفث سمومها في مغرب الأمة. وكلاهما لا يعيش إلا على ضعف المناعة العربية، وعلى غفلة الصفّ عن حقيقة معركته.
ولا سبيل للشفاء إلا برؤيةٍ لا تخشى تسمية الأشياء بأسمائها، وبصفٍّ موحّد لا تتسرب إليه جرثومة الخيانة أو التفرقة. فالأمة التي تتطهر من عللها، وتسدّ أبوابها في وجه الطفيلي، هي الأمة التي تعود نبضاً لا يُقهر.
الجرثومة الخبيثة
بحر الكامل – قافية الميم
أمَّـتـي ما زالَ في الأحشاءِ داءُ العــدمِ
يَشربُ الأرواحَ من جُرحٍ تَفتَّقَ في القِدَمِ
في المشرقِ الدامي كيانٌ غاصبٌ احتلَّ الــ
ــقلبَ المقدَّسَ، لا يَرتوي من فيضِ دمْ
إسـرائيلُ… كالسُّمِّ يسري في شرايينِ الـــ
ــعُمرِ، يقتاتُ من الأنفاسِ والدمعِ والندمِ
يهدمُ بيتَ الطِّفلِ في غزةَ ثمَّ يَبتسمُ الـ
ــوحشُ، ويَزهو بدمعِ الأمِّ في صَمتِ الأممِ
وفي المغربِ الغربيِّ ظلٌّ حالكٌ نَشِبَ الـ
ــمخلبَ في جرحِ الصحراءِ يُذكي لهيبَ جَمرِ
الجزائرُ… تَسكبُ الأموالَ في نارِ العـــ
ــداءِ، وتغذّي فرقةَ الإخوةِ بالقَسَمِ
يا أُمَّةً، والجرثـومةُ اليومَ في أوصالِـــ
ــكِ، هل تَشفينَ بالصمتِ، أمْ تُقتَلعُ بالسهمِ؟
لا بُدَّ من صفٍّ كجبلٍ لا تهزُّهُ الرِّيـــ
ــاحُ، ومن قلبٍ كحدِّ السيفِ في وجهِ الظُّلَمِ
أيها الزمن العربي…
كم من مرة غسلتُ وجهي بماء الفجر لأجد الدم يقطر من أصابعي، دمٌ ليس من جسدي وحدي، بل من جسد الأمة كلها.
أبحث عن الجرح… فأراه في غزة، مدينة تقف على ساقين من لهب، وفي قلبها طفل يرفع عينيه إلى السماء، يسألها:
لماذا كلّ هذا الصمت؟
هناك… في المشرق، كيان اسمه إسرائيل، غُرس في قلب الأرض كما يُغرس المسمار في صدرٍ نابض، لا يعرف غير لغة النار، ولا يحفظ من أبجدية الحياة سوى حروف الخراب.
كيانٌ يسقي جنوده من دماء الأطفال، ويحوّل بيوت الفقراء إلى رماد، ثم يدّعي أن الخراب حضارة.
وهنا… في المغرب العربي، ظلّ ثقيل اسمه الجزائر، يسكب من خزائنه زيتاً على نار الصحراء المغربية، يروي شجرة الفتنة لتثمر فرقة، ويزرع في الحقول بذور الشك، كأن الأرض لا تكفيه إلا إذا تفرقت أشجارها وتباعدت جذورها.
هي نفس الجرثومة، وإن اختلفت الأقنعة؛
هنا قصفٌ يخلع الأبواب، وهناك مؤامرة تخلع الأخوّة من جذورها.
كلاهما ينهش الجسد الواحد، وكلاهما يفرح إذا سال الدم في الشرق أو تمزقت الأرض في الغرب.
أيها العرب…
إننا جسد واحد، قلبه القدس، وروحه الصحراء، وعروقه ما بين دجلة والأطلس.
فإن لم نطهّر جسدنا من هذه الجراثيم، سنصحو يوماً فلا نجد وطناً، ولا نجد أنفسنا.
