بقلم عبدالرحيم بخاش

موسم مولاي عبدالله بين الحساب والنداء
إنّنا لا نكتب هذا المقال لتأثيث الورق ببلاغة، بل لنقول: المسؤولية ثقيلة، والمحاسبة واجبة.
لمن أذن بهدر المال على بنية تحتية منهارة؟
ولمن سمح بتحويل مقام مقدس إلى ملهى انتخابي؟
ومن تواطأ بالصمت على انتهاك البراءة؟
فإنّ الصرخة هنا ليست مجرد نقد، بل نداء للضمير: أن يُستعاد النور إلى موضعه، وأن يُرفع الحجاب عن السراج المطفأ، وأن يُحاسب كل من جعل من موسم مولاي عبد الله مهزلة تُدنس الأرض والروح من اجل حملة انتخابية
انتهى موسم مولاي عبدالله
لم يبق من الموسم إلا قمامة طافحة تشهد على خراب المعنى
لم يبق إلا أجساد مرهقة لرجالٍ يحرسون فوضى لا تُحرس
لم يبق إلا صرخة طفل بريء، اغتُصبت براءته في ليلٍ كثيف
الخيام التي كانت مواطن ذكر، تحوّلت إلى أوكار للشهوة
المكان الذي كان محراباً، صار سوقاً للغواية
النور الذي كان سراجاً، ابتلعه حجاب الدنس
الأموال التي كان يمكن أن تُسعف الجائع واليتيم، صارت وقوداً لـ سهرات انتخابية مقنّعة.
والكلمة التي كان يفترض أن تكون شاهدة، صارت مرقاً في صحون المرتزقة.
هكذا انقلب الذكر إلى لهو، والطهر إلى فساد، والمقدس إلى سلعة
فأيُّ زمن هذا الذي يبيع النور بالظلمة، ويستبدل الخشوع بالابتذال؟
لقد آل هذا الموسم، الذي كان في أصله طقساً روحياً محمولاً على جناح الذكر والتبتل، إلى فضاء ملوّث بالابتذال، حيث تحوّلت الحضرة الصوفية إلى سوق للغرائز، واستحال المقام الطاهر إلى مسرح تتناوب فيه قوى الانحطاط على تدنيس الذاكرة الجماعية. إنّنا بإزاء مفارقة أنطولوجية: مكان وُجد للعبادة فصار مسرحاً للعبث، وزمان كان مهيأً للصفاء فتحوّل إلى لحظة للتلوث الرمزي والمادي
فما الذي خلفه الموسم؟ أكوام من الأزبال تطمر الأرض، كأنّها تجسيد مادي لقمامة القيم التي انهارت. رجال الوقاية والدرك، أولئك الحراس الصامتون، تكسّرت أنفاسهم في ليالٍ مثقلة بالحوادث، وهم يقيمون سدوداً من أجسادهم أمام سيل الفوضى. وفي القلب من المشهد، جرح غائر: طفل بريء اغتيلت براءته، كأنما الوجود نفسه صرخ من أعماقه، فيما لا يزال القانون يلهث وراء الجناة
ولم يكن الخراب مقتصراً على الأخلاق وحدها، بل شمل كذلك البنية التحتية الواهية التي تكاد تكون وهماً أكثر منها واقعاً. فالمراحيض، التي أُنشئت على عجل لأسبوع واحد، جاءت مكسّرة، شبه منعدمة، بلا ماء ولا كرامة، لتفضح عبثية التخطيط وسوء التدبير. ولا أحد يعلم كم من المال صُرف عليها لتنهار بعد لحظات من تدشينها. كأنها شواهد على سياسة التزويق لا على خدمة الإنسان
أما الخيام، فلم تعد منارات للذكر، بل أوكاراً للشهوة، يُعقد تحت ستائرها ما لا يليق بمقامٍ طاهر. هناك تذوب الأخلاق في كؤوس الخمر، وتتنفس الأرواح دخان « السليسيون »، في انحطاط يفضح كيف يُختطف المقدس ويُستباح باسمه المدنس. لقد تحوّل الذكر إلى لهو، والحضرة إلى كرنفال للغواية
ثم إنّ الأموال العمومية – التي كان الأجدر أن تُسخّر لتضميد جراح المستضعفين – أُهدرت في سهرات صاخبة لا تمتّ بصلة إلى نهج الولي، بل هي أقرب إلى بروفة انتخابية مقنّعة، حيث يُباع الرمز الروحي في سوق السياسة. فالمقدس هنا لم يعد نوراً يُهتدى به، بل صار قناعاً دنيوياً تتخفى وراءه الأهواء والمصالح.
وفي خلفية المشهد، تتكاثر صحافة المرقة، أقلام مأجورة تحج إلى الموائد لا إلى الحقيقة، تُلمّع الوهم وتُسوّغ المدنس، وتستبدل وظيفة الكلمة من سراجٍ كاشف إلى بضاعة رخيصة.
إنّ مأساة موسم مولاي عبد الله تكمن في هذه الازدواجية: بين ذاكرة صوفية نقيّة أسسها الولي على الذكر والخشوع، وواقع دنيوي مبتذل غارق في التشييء والتسليع. هنا يبرز السؤال الفلسفي العميق: كيف يمكن للمقدّس أن يُختطف بهذا الشكل، ويُسخّر في لعبة دنيوية وضيعة؟ أهو انهيار في البنية الرمزية للأمة، أم مجرّد عرَض لانحطاط أوسع يشمل الاجتماع والسياسة والثقافة؟
إنّنا إزاء موسم لم يعد موسماً للذكر بل كرنفالاً للمدنسات، حيث تُستباح القيم، وتُداس القداسة، ويُستبدل المعنى بالفراغ. وما لم يُستعد لهذا الفضاء طهره الأصلي، فإنّ ما يجري ليس سوى تدنيس ممنهج للذاكرة الجماعية، واعتداء صارخ على الروح قبل أن يكون على الجسد أو المال، وعلى الكرامة الإنسانية قبل أن يكون على المكان.
