الدراجة ليست الجريمة… بل السلوك هو القاتل

بقلم عبدالرحيم بخاش


الدراجة ليست الجريمة… بل السلوك هو القاتل

في خضمّ الجدل الدائر حول الدراجات النارية وما يُثار من حملات لملاحقة أصحابها بحجة إدخال تعديلات على محركاتها لزيادة السرعة، يلوح في الأفق سؤال أعمق من مجرّد تشديد العقوبات أو ضبط المخالفين: هل المشكل حقًّا في الدراجة ذاتها، أم في الإنسان الذي يعتلي مقعدها، وسلوكٍ غاب عنه الاتزان والمسؤولية؟
إنّ الحقيقة التي تُغفلها هذه الحملات أنّ الدراجة ليست سوى أداة، تطيع يد صاحبها، وتتحرك بقدر ما أودع فيها من وقود وعزم، لكنّ ما يوجّهها في النهاية هو عقل الراكب وسلوكه. فهناك فئة من الشباب دفعتها البطالة إلى امتلاك دراجة قد لا يعرف المرء كيف استطاعت أن تقتنيها، فصارت وسيلة للبحث عن عمل أو متنفساً لغياب البدائل. وهناك فئة أخرى اتخذتها وسيلة للسرقة والاعتداء على الآمنين، فجعلت من الطرق مرتعاً للذعر والخوف. وفئة ثالثة تُمارس ألعاباً شبه بهلوانية، وكأنها تسعى لإثبات وجودها عبر تحدي الموت وإزعاج غيرها، غير آبهة بسلامتها ولا بسلامة الآخرين
ثمّ إننا، حين نحمّل الدراجة وحدها وزر الحوادث، نتناسى أنّ جزءاً كبيراً من الكارثة يكمن في غياب البنية التحتية؛ فأين هي الممرات الخاصة بالدراجات النارية؟ وإن وُجدت، فلماذا لا تُحترم؟ وكيف نُلزم السائق بقانون لا يجد له أثراً في أرض الواقع؟ ألسنا بذلك نضع العربة قبل الحصان؟
المطلوب اليوم ليس فقط حملات أمنية تُطارد الدراجات وتُصادرها، بل رؤية أشمل تُعالج جذور الداء: توعية صارمة تُبدّل السلوك قبل الحديد، فرص عمل تحفظ للشباب كرامتهم، وبنية تحتية تُنظّم الشارع وتُحترم فيه الممرات والحقوق. عندها فقط تصبح الدراجة وسيلة نقل حضارية، لا قنبلة موقوتة في شوارعنا
إنّنا لسنا بحاجة إلى جلد الأداة، بل إلى إصلاح الإنسان. فالمجتمع الذي يُصرّ على معالجة العرض وترك المرض، لا يلبث أن يعود إلى الدائرة ذاتها، يصرخ من جديد أمام حوادث كان يمكن تفاديها لو بدأنا من الأصل لا من الفرع