
بقلم عبدالرحيم بخاش
أمة على مائدة الفساد… حكومات فاشلة وشعب غارق في الرذيلة
لقد بلغ السيل الزبى، ولم يعد في
الصمت عذر، ولا في التبرير مهرب. ما كنا نخشاه من « الانفتاح » صار لعنةً تهدد وجودنا، وما كان يُسوّق لنا على أنه تقدم، انقلب انحطاطًا يبيع في شوارعنا أرخص ما عند الأمم: الجسد، الخمر، والمخدرات. الدعارة تتخفى في محلات التدليك، تُسوّق عبر المنصات الإلكترونية، حتى غدت العروض تُقرأ بالعلالي: “تعال نفعل لك… بذاك الثمن”. مشهد فاضح، يطعن الأخلاق في قلبها، ويحوّل المجتمع إلى قطيع يساق نحو هاوية
لكن، لنعترف بمرارة: الزبون ليس غريبًا عنا، بل هو منّا؛ الشاب الذي يبيع كرامته، الرجل الذي يطرق أبواب الرذيلة، والفتاة التي اختارت الجسد مهنة. نحن شركاء في الخراب، ولسنا ضحايا أبرياء. فمن يملأ محلات التدليك إلا رجال من أبناء هذا الوطن؟ ومن يفرش الطرقات بالسكر والضجيج إلا شباب هذا الشعب؟ ومن ينفق أمواله على المخدرات بدل العلم والعمل إلا نحن؟ العيب فينا قبل أن يكون في غيرنا.
ومع ذلك، لا بد أن نشير بأصابع الاتهام إلى الحكومات المتعاقبة، التي باعتنا الوهم، وتركَت الوطن يتآكل. مدارس انهارت، مستشفيات لفظت أنفاسها، إعلام يروّج التفاهة، وسياسات أفرغت المواطن من الأمل. لم تقدّم هذه الحكومات بديلًا، بل تركت الشباب نهبًا للفراغ، فتلقّفته أوكار الدعارة وسماسرة المخدرات. خمس عشرة سنة من الصراع بين حكومة ومعارضة، والنتيجة واحدة: لا مشاريع، لا إصلاح، لا كرامة. كأن السياسة عندنا صراع كراسي لا صراع أفكار، ومزاد من الأكاذيب لا مشروعًا للحياة.
أما المعارضة، فهي الوجه الآخر للعملة؛ تصرخ في المنابر، وتساوم في الكواليس، وتنام على الأزمات حتى إذا شبعت منها، قامت تتباكى. لم تكن يومًا قوة بناء، بل ظلّت قوة انتقاد تُزايد على حساب الوطن، حتى صارت جزءًا من العجز نفسه.
وفي قلب هذا الخراب، تُرك الأمن والدرك وحدهم في مواجهة طوفان لا يُطاق. كيف يُلام الشرطي وهو يطارد عشر جرائم في ساعة واحدة؟ كيف يُحمّل الدركي ذنب الانفلات، وقد فاقت الجريمة قدراتهم، وتضاعفت الأوكار أكثر من عدد المراكز؟ إن اللوم الحقيقي لا يقع على رجل الأمن الذي يقاتل بأدوات محدودة، بل على من صَنَع بيئةً كاملةً للجريمة، ثم تركها تتفشى كالنار في هشيم
اليوم، المخدرات تُباع أكثر من السكر والزيت. الخمر يُسكب في العلن كأنه ماء. الدعارة تفتح أبوابها كالمتاجر، وتعرض أثمانها كالسلع. شبابنا صار يتعلم الانحلال من الشوارع لا من المدارس، وأفواج المهاجرين الأفارقة زادوا الطين بلة حين حوّلوا الأزقة إلى أسواق سوداء للمخدرات. هكذا انهارت الحصون، وسقطت الحواجز، حتى صار الوطن كله مسرحًا للفوضى الأخلاقية.
لقد ضاعت أمة بين مجتمعٍ متواطئ، وحكومات عاطلة، ومعارضة عاجزة. كلٌّ يحمل وزره: المواطن الذي يشتري العهر والخمر، السياسي الذي يبيع الوهم، الحكومة التي أهملت، والمعارضة التي خانت. ونحن جميعًا نغرق في مستنقعٍ صنعناه بأيدينا، ثم نتساءل: لماذا لا ينقذنا الأمن؟
الحقيقة أن الأمن لا يُصلح أمة انهارت قيمها، والدرك لا يوقف سيلًا جارفًا صنعته حكومات الفشل، والعيب كل العيب أن نعيب الزمان والعيب فينا. وإن لم نستيقظ اليوم، فإن الغد لن يرحمنا، وسنكون أمة باعت كرامتها بثمن بخس، فضاعت في زحام الدعارة والمخدرات والفساد، حتى لم يعد لها من التاريخ إلا العار
