الشعب الذي تجمعه الغيطة وتفرقه الزرواطة

بقلم عبدالرحيم بخاش


شعوب الغيطة والزرواطة: حين تُختزل الحرية في الصراخ
بعد أن شاهدت فيديو لبعض الناس متجمهرين أمام مخفر للشرطة، وأحدهم يصرخ في هستيريا: “البوليس عدو الله”، أيقنت أن المأساة ليست في رجل الأمن الذي قد يخطئ أو يتجاوز، بل في شعب ضلّ الطريق، وتعلّم أن الحرية صراخ أحمق في الشوارع، وأن البطولة شتيمة تُلقى في الهواء، وأن الكرامة وقاحة تُوجّه نحو من يمثل القانون.
تساءلت في داخلي: منذ متى صار رجل الأمن عدواً لله؟! أليس هو الحارس الذي يقف في البرد والليل كي تنام أنت آمناً؟ أليس هو الذي يهرع حين يُسرق بيتك أو تُختطف ابنتك؟ كيف صار حاميك عدواً، وصار العابث في الأزقة ولياً من أولياء الله؟ أي قلب مظلم هذا الذي يقلب الموازين إلى هذا الحد؟
الحقيقة أن ما رأيته ليس مشهداً عابراً، بل مرآة لأمة استبدلت المعنى بالفراغ. أمة تصرخ بالحرية وهي لم تذقها يوماً، تهتف بالكرامة وهي غارقة في التبعية والكسل. أمة تعبد الغيطة، وتخشى الزرواطة، كما لو أن حياتها دائرة مغلقة بين لهوٍ رخيص وقمعٍ صارم
لقد صدق الحكيم حين قال: “هناك شعوب تجمعها الغيطة وتفرقها الزرواطة”. إن الغيطة في أعماقها رمز للهروب: هروب من الفقر إلى الرقص، ومن الجهل إلى الصخب، ومن العجز إلى الوهم. والزرواطة في حقيقتها عقاب من نوع آخر: عقاب لشعب لم يعرف الحرية يوماً، ولم يتعلم كيف يعيش بكرامة حقيقية، فظل ينتقل من لهو رخيص إلى قمع مهين، دون أن يتوقف لحظة ليسأل: أين الطريق؟
الحرية يا سادة ليست صراخاً في وجه الشرطي، وليست قنينة مكسورة في يد مراهق، وليست شتيمة جوفاء تُطلق في الأزقة. الحرية مشروع حياة، تربية أجيال، بناء مؤسسات، احترام قانون. الحرية أن تقول “لا” لكن بعقل، أن ترفض الظلم لكن بكرامة، أن تواجه الانحراف لكن بمسؤولية. أما أن نحولها إلى عربدة وشغب، فتلك حرية مشوهة لا تلد إلا عبيداً جدداً للزرواطة
إن الأمة التي تتجرأ على إهانة رجل الأمن، ولا تتجرأ على إهانة جهلها وتخلفها، هي أمة تسير نحو الهاوية. الأمة التي ترفع صوتها على الشرطي ولا ترفعه على الفساد، التي تكسر هيبة القانون ولا تجرؤ على كسر قيود الاستبداد، ليست أمة تبحث عن الحرية، بل أمة تبحث عن فوضى تبرر عجزها
ما أبأس شعوباً تُسقط هيبة رجالها في الشوارع، ثم تشتكي من ضياع كرامتها! ما أعجز شعوباً تظن أن الحرية غناء في المهرجان، وصراخ في وجه الدركي، ثم تتباكى حين تُجلد بالزرواطة
إن الحرية الحقيقية ليست غيطة تُسكر العقول، ولا زرواطة تُفزع الجموع، الحرية وعي ومسؤولية. ومن لم يتذوق هذا المعنى، سيظل عبداً لصوت الغيطة، وأسيراً لضربات الزرواطة، حتى يذوب بينهما كما يذوب الملح في الماء، بلا أثر، بلا قيمة، بلا كرامة