
بقلم عبدالرحيم بخاش
حين يُشوَّه العظم بالهامش: في مقام أجهزة الأمن
ثمة رذيلة فكرية تتفاقم في المشهد العام، قوامها اختزال الكل في الجزء، وإسقاط الجوهري من الحسابات بدعوى التربص بالثانوي. ومن أوضح تمظهراتها، ما يُمارَس من تشهير غوغائي وعدمي بأجهزة الأمن ورجالها، وكأن الأمة لا ترى منهم سوى زلة عابرة أو خطأ إنساني جزئي، فتُحجب عن الأذهان الجبال الراسية من التضحيات اليومية التي لا يعلمها إلا من خبر دروب الليل وحراسة الشوارع ومطاردة الجريمة في أوكارها
إنّ هؤلاء المتربصين لا يملكون من النظر إلا بُعداً واحداً، ومن الفهم إلا سطحاً هشّاً، ينساقون وراء الإثارة والعدمية، فيُسقطون صورة كلية مركبة على مرآة مشروخة. فهل يُعقل أن يُقاس مجهود جهاز بأكمله بما يصدر عن فرد أو واقعة؟ أليس من الظلم البيّن أن يُطمس النور لأن ذبالةً صغيرة خبت؟ إنّها بلادة فكرية تستبطن حقداً دفيناً، وخصومة مع المعنى نفسه الذي يُدعى « الدولة ».
لقد غفل هؤلاء أن الأمن ليس وظيفة بيروقراطية عابرة، بل هو الشرط الأول لوجود المجتمع، وأساس العمران، ومفتاح كل استقرار. فمن يبيت مطمئناً في منزله، أو يمارس حريته في السوق والمدرسة والجامعة، إنما ينسى أنّ خلف ذلك السكون رجالاً جعلوا من صدورهم متاريس، ومن يقظتهم سدوداً، ومن عرقهم سياجاً للوطن. هؤلاء لم يختاروا أن يكونوا متفرجين، بل انخرطوا في ملحمة يومية قوامها التضحية
ولئن كان الخطأ ممكناً – لأننا لسنا في عالم الملائكة – فإنّ الخطأ لا يُلغي الأصل، بل يُقوَّم بالتقويم، ويُعالج بالمساءلة، دون أن يُتخذ ذريعة لهدم الكيان برمته. فالهفوة لا تُعدم الجهد، والزلة لا تمحو الجدارة. أما أولئك الذين يتخذون من التشهير حرفة، ومن التبخيس سلعة، فهم لا يمارسون نقداً موضوعياً، بل يهدمون الثقة العامة، ويزرعون بذور الشك بين المواطن ومؤسساته، وهو ما لا يخدم سوى أجندة الخراب.
إنّ العقل المنصف لا يسعه إلا أن يرفع القبعة لهؤلاء الذين يسهرون في صمت، ويُسكتون الخطر قبل أن يتفجّر، ويُضحّون بما لا يطيقه غيرهم في سبيل أمن الوطن. فليخرس إذن ضجيج المبخسين، وليُكسر قلم المشهرين، لأن الأوطان لا تُصان بشماتة المتربصين، بل بصوت العقلاء الذين يُدركون أن الإنصاف قيمة عظمى، وأن جحود التضحيات ضرب من النذالة الفكرية.
فكفى تبخيساً، وكفى تجنياً. ولْيُضرب من حديد على أيدي كل من يحوّل الهفوة إلى خنجر، والزلة إلى مشروع تقويض، لأن ما يُرتكب في حق هؤلاء الساهرين ليس نقداً، بل جناية على الأمن نفسه، بل على الوطن برمته. ومن لم يعِ هذه الحقيقة، فليُترك في هامش العدم، وليبقى الوطن بأجهزته شامخاً، لا يطاله دخان الحاقدين
