ملحمة الأسود وعبقرية السكيتوي: سفر البطولة إلى معراج التاريخ

بقلم عبدالرحيم بخاش


ملحمة الأسود وعبقرية السكيتوي: سفر البطولة إلى معراج التاريخ
إنّ ما يعيشه المغرب في هذه اللحظة الفارقة من تاريخه الرياضي ليس مجرّد حدث عابر يُسطَّر في سجلات كرة القدم، بل هو أشبه ما يكون بملحمة أسطورية تُعيد تشكيل الوعي الجمعي، وترسم على وجه الوطن ملامح الفخر والإباء. لقد تمكّن المنتخب المغربي، بفضل العزيمة الصلبة التي جُبلت عليها دماء الأسود، وبفضل الحنكة التي ينسج خيوطها المدرب الوطني السكيتوي، من اقتحام معترك البطولة وصولًا إلى النهائي، وكأنّهم يعلنون للعالم أن المغرب ليس رقمًا يُضاف في قوائم المنافسين، بل هو روح متأججة لا تعرف الانكسار
لقد ارتقى الأسود في هذه المسيرة الكروية إلى مقام الجندية المخلصة، حيث صار المستطيل الأخضر أشبه بساحة جهاد رمزية، تُحاك فيها مؤامرات الخصوم وتُفكّك على صخرة الانضباط والقتالية. وكلّ لاعب، وهو يركض خلف الكرة، بدا كأنّه فارس من فرسان التاريخ، يحمل إرث أمة بأكملها، ويستحضر في كلّ صراع على الكرة صور الأجداد الذين ذادوا عن الأرض والعرض بدمائهم الزكية.
أما السكيتوي، ذلك القائد الذي يُشبه في حضوره مهندسًا عسكريًا يرسم خرائط المعارك، فقد حوّل المنتخب من مجرد مجموعة لاعبين إلى أوركسترا متناغمة، تتعانق فيها الموهبة الفردية مع الانضباط التكتيكي، وتذوب فيها النزعة الذاتية في بوتقة الهدف الأسمى: رفع راية المغرب خفّاقة في سماء المجد. إنّه لم يكن مدربًا فحسب، بل كان مؤلّفًا لسيمفونية وطنية، عازفًا على أوتار العزيمة، وموقظًا في النفوس أعماق الولاء للأرض والتراب.
ولئن كان الفوز في المباريات يختزل عند البعض في أرقام وإحصاءات، فإنّ انتصار الأسود هو أبعد مدى وأعمق دلالة؛ فهو ترجمة لصمود أمة، وتعبير عن وحدة جماهيرية لا تعرف الانقسام، ورسالة رمزية للعالم أن المغرب، حين يُستفزّ كبرياؤه، ينهض كما ينهض الأطلس، شامخًا لا يُدرك قمته أحد
إنّ بلوغ النهائي ليس نهاية الرحلة، بل هو بداية عهد جديد يُعلن أن المغرب دخل مصاف الكبار بثقة واقتدار. وما هذه اللحظة إلا استدعاء لتاريخ طويل من البطولات، وانبثاق لروح متجدّدة تضع الوطن في موضع القيادة، لا التبعية؛ في مقام التأثير، لا التلقي. وهكذا يبرهن الأسود أن كرة القدم ليست لهوًا ولا عبثًا، بل هي لغة سيادية، وأداة من أدوات بناء الهوية، ووسيلة لترسيخ الانتماء في وجدان الأجيال
فلتظلّ الراية المغربية مرفوعة، وليبقى الأسود أوفياء لرسالتهم، وليبقى اسم السكيتوي محفورًا في سفر البطولة، باعتباره الرجل الذي صاغ من العشب الأخضر ملحمة تُوازي ملاحم التاريخ، ملحمة تُثبت أنّ المغرب لا يُقهر متى اجتمع شعبه ولاعبوه وقائده على قلب واحد.