
بقلم عبدالرحيم بخاش
المتسول جيراندو بين غواية
الابتزاز وسقوط المروءة
لم يكن هذا المقال وليد الصدفة أو مجرد نزوة قلم، بل جاء بعد أن استمعت إلى التسريب الصوتي المنسوب إلى المسمى جيراندو، حيث بدا فيه وهو يساوم من أجل « كعكة » مالية مقابل الصمت. ذلك التسجيل كان كافيًا ليكشف المستور، ويعرّي حقيقة من يرفعون شعارات المعارضة لا بدافع المبادئ، وإنما طمعًا في المكاسب. من هنا رأيت أن أكتب، لا من باب الخصومة الشخصية، بل من باب المسؤولية تجاه القارئ، كي تتضح الصورة كاملة بلا رتوش ولا مساحيق.
إنّ المشهد الماثل أمام أعيننا اليوم يشي بانحطاطٍ مريعٍ في سلّم القيم، حيث أطلّ علينا كائنٌ مُسمّى – مجازاً – « معارضاً »، وهو في حقيقة جوهره مُتسَوِّل يتوسّل بالملفات الواهية، ويتاجر بالأراجيف، لعلّه يظفر بفتاتٍ من الرشاوى، أو بكعكةٍ باردة تُطفئ غليل أطماعه المريضة. فالرجل قد رهن قلمه – إن كان له قلم – في سوق المقايضة، إذ يبدّل مواقفه كما يبدّل المرتزق ثوبه، ويقتات من تضخيم الادّعاءات الزائفة ومن فنون الابتزاز
المبتذل
إنّ هذه الشخصية ليست سوى ظلّ مهزوز يتغذى على الضجيج الإعلامي، يبيع الأوهام ويتقن صناعة الشعارات الجوفاء، لكنه في حقيقة الأمر مبتزٌّ حقير لا يملك سوى لسان فالت، يتقوّت به من حقده ويقتات من تشويه صورة وطنه.
ولذلك نقولها بوضوح: إنّ المعركة مع هذا النوع من « المتسولين » ليست معركة أفكار، لأنهم بلا فكر؛ وليست سجالاً في المبادئ، لأنهم بلا مبدأ. بل هي مجرّد مواجهة مع نفوس عليلة، غايتها كعكة صغيرة على موائد الرشاوى، أو موقعاً واهياً على هامش المشهد
إنّ من يتغنّى بشعارات محاربة الفساد، فيما هو غارقٌ حتى النخاع في وحل الانتهازية، لا يعدو أن يكون صورةً كاريكاتورية للفساد ذاته؛ فكيف لعاقل أن يُصدّق دعوى من يجعل من لسانه سوطاً يجلد به مؤسسات الوطن، بينما قلبه يلهث خلف الرشوة وصفقات السكوت؟ إنّه نموذجٌ فجّ للارتزاق السياسي الذي يتستر برداء المعارضة، وهو في حقيقته ليس سوى خادمٍ لنزواته، وعبدٍ لحقده الأعمى
وما يزيد الأمر انكشافاً أنّ هذا المسمّى « جيراند » لا يحيا إلا في فلك الضجيج الإعلامي، يصنع من السراب وقائع، ويستولد من الأباطيل اتهامات، ثم يلوّح بها كورقة ضغط رخيصة. فإذا ما عُرضت عليه الغنيمة صمت، وإذا لم تُعرض رفع عقيرته بالسباب والتهويل. أليس ذلك عين الابتزاز؟ بل أليس هو أقبح أشكال المساومة على شرف الموقف؟
في المقابل، تبقى الأجهزة الأمنية المغربية شامخة في مقامها، ساهرة على أمن الوطن، مدركةً أنّ عواء مثل هؤلاء لا يضرّها، لأنّها متجذّرة في شرعية رسالتها، قائمة على واجبها في صون استقرار الأمة. فشتّان بين مؤسسةٍ تتأسّس على الانضباط واليقظة والتضحية، وبين فردٍ ساقطٍ يتقوّت على خيباته ويُتاجر بأوهامه
إنّ العاقل ليدرك أنّ هذا « المبتزّ الحقير » ليس خصماً فكرياً يُجادل، ولا صوتاً معارضاً يُحترم، بل هو شظية دخان سرعان ما تتلاشى حين تلامس هواء الحقيقة. فمقولاته لا تحمل عمقاً، بل هي فراغ يتردّد صداه في الفراغ؛ وما تلوّحه من تسريبات ليس إلا جعجعة بلا طحين، ومسرحيات سمجة لا تُقنع حتى صاحبها
وعليه، فإنّ التاريخ لا يدوّن أسماء المتسولين، ولا يحفل بأباطيل المبتزين، بل يخلّد فقط صروح الرجال الذين قدّموا لوطنهم دماءهم وعرقهم وصمتهم الشريف. أمّا هؤلاء المتسكعون على أرصفة الابتزاز، فليس لهم إلا مزابل النسيان، حيث يُرمى كل ساقطٍ تاجر بوطنه من أجل كسرة موائد مشبوهة
