خالد شخمان.. ذاكرة ربع قرن وصوت أسرة صحفية في محراب الرياضة

بقلم عبدالرحيم بخاش


خالد شخمان.. ذاكرة ربع قرن وصوت أسرة صحفية في محراب الرياضة
في عالم تتقاطع فيه الأضواء بين المستطيل الأخضر وصدى الكلمة المكتوبة، وبين الصورة العابرة والصوت المدوّي في الأثير، يبرز اسم خالد شخمان كواحد من أولئك الذين لم يكونوا مجرّد صحفيين، بل صُنّاع ذاكرة ومؤرخين للرياضة المغربية. فمنذ بزوغ نجمه في فضاء الصحافة سنة 1998، وهو يشق طريقاً صعباً، حافلاً بالمسؤولية والالتزام، حتى صار ركناً من أركان الإعلام الرياضي الوطني، وصوتاً يحفظ الحدث ويوثّقه، ويحوّله إلى ذاكرة حيّة للأجيال.
لقد نشأ خالد في بيت مشبع بالصحافة، في أسرة جعلت من الكلمة التزاماً، ومن الحقيقة قدراً لا يُفارقها. فهي أسرة أعطت للصحافة الرياضية المغربية الكثير من العطاء، جيلاً بعد جيل، حتى بات اسمها مرتبطاً بالحبر والأثير والعدسة. وسط هذه البيئة المتشبعة بالإعلام، تربى خالد على أن الصحافة ليست وظيفةً تُمارس من باب الارتزاق، بل هي هوية ودم يسري في العروق، ورسالة لا تسقط بالتقادم
ولم تكن بداياته في الصحافة المكتوبة مجرّد تجربة عابرة؛ فقد انطلق من جرائد وازنة مثل المنعطف، الأحداث المغربية، النهار المغربية، والشرق الأوسط. وهناك، في صخب المطابع، خطّ أولى مواقفه المهنية، إذ لم يتردّد في انتقاد أسماء كبرى في المشهد الرياضي، كالبطل العالمي هشام الكروج، وهو بعدُ في بداية مساره، بما كلّفه منصبه آنذاك. لكنها كانت علامة فارقة، رسّخت قناعته أن الصحافة الحقيقية هي التي تلتزم بالصدق، لا تلك التي تُهادن الكبار.
ثم انتقل إلى تجربة إذاعية ثرية مع ميدي 1، قبل أن يلتحق سنة 2006 بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، متنقلاً بين القناة الرياضية والقناة الأولى، حيث جمع بين مهارة المراسل، وحنكة المحلّل، وحضور المعلّق. وقد مراكَم عبر ذلك خبرة واسعة، جعلته شاهداً على أبرز اللحظات الفارقة في تاريخ الرياضة: من التصويت على مونديال 2006 بسويسرا، إلى الألعاب المتوسطية بألميريا، والمونديال اليدوي بألمانيا، والألعاب الفرنكوفونية بالكوت ديفوار، إلى جانب تغطية كأس أمم إفريقيا 2023، ودوري تولون بفرنسا، ومنافسات التزلج الألبي في دوري للا خديجة
ولم يقتصر تميّزه على الميدان العملي، بل دعمه برصيد أكاديمي متين؛ إذ حاز الإجازة في اللغة العربية، والإجازة المهنية في الصحافة من مؤسسة إديكاتيل، ودبلوم المعهد العالي للإعلام والاتصال، إلى جانب تكوينات متقدمة من مركز الجزيرة للتدريب والتطوير. كل ذلك جعله نموذجاً للصحفي الموسوعي، الذي يجمع بين المعرفة النظرية والخبرة الميدانية.
لكن الأثر الأعمق لخالد شخمان يتجلّى في بصمته الإنسانية والمهنية على من عرفوه عن قرب. فقد كان أستاذاً وملهماً وسنداً لتلامذته وزملائه، ومن بينهم أنا؛ إذ فتح لي أول باب في الصحافة بعد حصولي على الماستر، ومنه تعلّمت أن الصحافة لا تُختصر في الشهرة ولا المناصب، بل هي وفاء للحقيقة. لقد كان السند الذي منحني الثقة، والبوصلة التي دلّتني على أن الصحافة التزام أخلاقي قبل أن تكون مساراً وظيفياً.
اليوم، وبعد ربع قرن من الممارسة، ما يزال خالد شخمان يمثّل مدرسة قائمة بذاتها، مدرسة تؤمن أن الصحافة الرياضية ليست تعليقاً على مباراة أو تغطية لحدث، بل هي صناعة ذاكرة، وحفظ للتاريخ، وصوت للإنسان قبل أن يكون للنتيجة. وما يميّزه أنه لم يكن استثناءً فردياً، بل امتداداً لأسرة كاملة نذرت نفسها للصحافة، وأسهمت في رسم ملامح المشهد الإعلامي المغربي عبر عقود
إن الحديث عن خالد شخمان ليس استدعاءً لسيرة صحفي ناجح فحسب، بل هو احتفاء برمز من رموز الإعلام المغربي، وامتنان لرجل جسّد في مساره قيم الصدق والجرأة والالتزام. إنه شاهد على زمن، وذاكرة لربع قرن، وامتداد لأسرة وهبت الصحافة الرياضية المغربية أجيالاً من العطاء.