المشروع الجديد للصحافة: أسطورة الهيمنة وسقوط الأوهام

بقلم عبدالرحيم بخاش


المشروع الجديد للصحافة: أسطورة الهيمنة وسقوط الأوهام
إنّ ما يظنّه بعض المتعجرفين من أنّ مشروعهم الجديد للصحافة قد أُنجز وأُحكم، ليس سوى خديعة واهية في مخيال سلطوي مأزوم، يختلط فيه الوهم باليقين، والزيف بالحقيقة. إنّهم يتصوّرون أنّ التوقيع على نصوص باردة سيُخرس التاريخ، وأنّ تغليف الهيمنة بغلاف « التنظيم » سيُقنع العقول بأن الاستبداد قانون، وأن المصادرة إصلاح. لكنّهم لم يدركوا أنّ التاريخ لا يُدار بمراسيم، بل يُكتَب بدماء الصراع وبأصوات الأحرار.
هؤلاء الذين سَوّلت لهم أنفسهم أنّ الصحافة يمكن أن تُختزل في بطاقات ومواثيق شكلية، أو تُختصر في أختام إدارية، إنّما يسقطون في فخّ الانغلاق الذاتي، حيث يتحوّل المشروع في جوهره إلى مجرد تعبير فجّ عن شهوة الهيمنة. إنّهم يظنون أنّ امتلاكهم لأدوات السلطة هو امتلاك للحقيقة، وأنّ السيطرة على منابر الإعلام هو نهاية السجال. لكنّ الحقيقة أعمق وأخطر: فالتاريخ يُسجّل كل لحظة، ويراقب كل انحراف، ولا يُسقط من حسابه إلا من كان صفراً وجودياً يُستهلك ثم يُرمى في حاويات النسيان
إنّ التواطؤ مع التفاهة، والارتماء في أحضان المال، والانبهار بالجاه، كلّها ليست إلا أعراضاً مرضية لحالة الانحطاط الأخلاقي والسياسي التي يعيشها من يظن أنّ الكلمة الحرة تُباع في أسواق الولاءات. ولئن كان هؤلاء يسعون إلى استلاب الوعي الجمعي، فإنّهم لم يدركوا أنّ الغضب الصامت للعقلاء أشد فتكاً من صخبهم الزائف، وأنّ صرخة الحر، وإن تعرّضت للتهميش، فإنها تحمل في طياتها قدرة هائلة على تفكيك أوهام الطغيان
أليس من المضحك – والمبكي في الآن نفسه – أن يتصوّر هؤلاء أنّهم قادرون على قيادة الصحافة كما تُقاد قطعان الماشية؟ أليس من المفارقة التاريخية أنّهم يحاولون كتابة دستور موازٍ تحت غطاء القوانين، ليُخضعوا الصحافة إلى وصاية لا يقرّها لا العقل ولا المنطق ولا الدستور؟ إنّهم، في جوهر الأمر، لا يصوغون مشروعاً للإصلاح، بل يُشيّدون معماراً هشّاً من الورق، ينهار عند أول ريح من وعي جمعي يرفض الإهانة
إنّ كلّ هذا الضجيج السلطوي لن يُسكت الحقيقة الكبرى: أنّ الصحافة ليست سلعة في مزاد السلطة، ولا مائدة للانتهازيين. إنّها جوهر الذاكرة الوطنية، هي الحارس الأخير على أبواب الحرية. ومن يحاول أن يُسقطها في فخّ الاستلاب إنّما يُسقط نفسه قبلها. فالتاريخ – وهو قاضٍ صارم – لا يُبقي إلا من صان الكلمة، ولا يرحم من خانها.
ولذلك، مهما تسلّقتم بأوهامكم، ومهما زيّنتم مشاريعكم بعبارات مُنمّقة، فإنّ مصيركم المحتوم هو السقوط في مزبلة التاريخ، حيث يلقى كل من حاول أن يعلو فوق الحرية، فغلبته الحرية، لأنّها تعلو ولا يُعلى عليها