
بقلم عبدالرحيم بخاش
مشروع قانون الصحافة بين وهم الإصلاح وإرادة الاستحواذ
إنّ الجلبة التي أثارتها الصيغة الجديدة لمشروع القانون الخاص بالصحافة، لم تكن مجرّد ضوضاء ظرفية أو مجرّد اختلاف في تأويل النصوص، بل كانت بمثابة مرآة عاكسة لخلل بنيوي في تصور العلاقة بين السلطة التنفيذية وبين الحقل الإعلامي الذي يُفترض فيه أن يُشكّل سلطة مضادّة، لا مجرد ملحق تزييني لإرادة الحاكمين.
إنّ ما يطرحه الوزير بن سعيد من مقترحات تشريعية، يشي ـــ في جوهره ـــ بنزعة نرجسية سلطوية، تحاول أن تعيد تشكيل الوعي الصحفي وفق معايير السوق المبتذلة لا وفق مقتضيات الحرية الدستورية. وهنا يكمن التناقض الصارخ: فبينما يرى النقابيون وأغلب الفاعلين الإعلاميين، بل وحتى وزراء سابقون خبروا دهاليز التشريع ووعورة المشهد الإعلامي، أنّ المشروع ليس إلا صياغة عقيمة محكومة بالفشل، يتعامل الوزير وكأنه صاحب « كشف استثنائي » لا يراه غيره، وكأنّ بصيرته وحدها تتخطى حدود النقد الجمعي
إنّ هذا الوضع يجعلنا أمام مفارقة فلسفية: مشروع قانون يُفترض أن يُبنى على التوافق، يتحوّل إلى نصّ مفروض، يعلو فيه صوت « الواحد » ضد أصوات « المجموع ». وكأننا أمام إعادة إنتاج لجدلية « الطغيان الناعم »، حيث يُستحضر الخطاب الإصلاحي كقناع، بينما الجوهر هو نزوع احتكاري يهدف إلى تطويع المنابر الإعلامية لصالح لوبيات المال والسطوة، حتى وإن كان ثمن ذلك إغراق المشهد في ثقافة التفاهة وتسليع الخبر.
إنّ ما يزيد المشهد قتامة هو أنّ الوزير، الذي لم يتجاوز مقامه في مقعد المسؤولية سوى خمس سنوات، يريد أن يُسطّر مساراً تشريعياً من شأنه أن يُكبّل أجيالاً من الصحفيين، ويُقنّن هيمنة رأس المال الرمزي الفارغ على حساب الأقلام الحرة التي لا تملك سوى رصيدها الأخلاقي والمعرفي. فهل يحقّ لمن لم يختبر سوى عُشر عُمر التجربة السياسية أن يرسم حدود الصحافة لعقود قادمة؟ أليس في ذلك مصادرةٌ سافرة لمستقبل المهنة، وإذعانٌ قسري لإرادة تُعلّي مصالح « الزبائن الإعلاميين » على حساب المصالح العامة؟
إنّ المشروع في صورته الراهنة ليس سوى تشييء للصحافة وتحويلها إلى سلعة قابلة للمساومة، بدل أن تبقى خطاباً عقلانياً نقدياً. وهو بذلك يُفرغ « السلطة الرابعة » من مضمونها، ويجعلها مجرّد صدًى لتفاهات تُموّل وتُروّج، لا صوتاً للوعي الجمعي
إنّ التاريخ، كما علّمنا ابن خلدون وهيغل معاً، لا يرحم النزعات السلطوية المتخفّية في رداء القانون. فكلّ مشروع يخرج من رحم الإقصاء ويُفرض على الأجساد الصحفية قسراً، لن يُنتج إلا مقاومة ثقافية صامتة تتحوّل، مع مرور الزمن، إلى دينامية رافضة تُفكّك بنيانه من الداخل
