
بقلم عبدالرحيم بخاش
المغرب بين سرعتين: رؤية ملكية سامقة وحكومات واهنة
يُطالعنا المشهد الوطني اليوم بمفارقة صارخة حدّ التناقض؛ مفارقة تُجسّدها ثنائية « السرعتين »: سرعة ملكية متوثّبة، تُترجم إلى مشاريع استراتيجية عملاقة، ترفع المغرب إلى مدارات أرحب، في مقابل تباطؤ حكومي متثاقل، يراوح مكانه في دوامة الحسابات الضيقة والوعود المؤجلة.
إنّ من يتأمل في حصيلة الأوراش الملكية، يدرك أنه أمام رؤية تتجاوز حدود اللحظة إلى آفاق بعيدة؛ رؤية لا تُعنى بالمكاسب الآنية ولا بالخطابات الشعبوية، بل تؤسس لنهضة شاملة تستند إلى وضوح البصيرة وجرأة القرار. فها هي الموانئ البحرية من طينة طنجة المتوسط تغدو علامات مضيئة في خرائط التجارة العالمية، وها هي السكك الحديدية الفائقة السرعة تختصر المسافات بين الحواضر الكبرى، وها هي المبادرات الاجتماعية تتنزل لتضمد جراح الفئات الهشة، وتجعل من التنمية بُعداً إنسانياً لا يُختزل في لغة الأرقام وحدها.
هذه الإنجازات الملكية لا تُقاس بميزان البنية التحتية فحسب، بل بميزان الإرادة السياسية التي تستبق المستقبل ولا تكتفي بملاحقة الحاضر؛ إرادة تجعل من المغرب قوة إقليمية صاعدة، قادرة على التموقع في زمن العولمة المتسارعة.
أما على الضفة الأخرى، حيث الحكومات المتعاقبة، فإن الصورة تنقلب رأساً على عقب: خطاب يُبشّر ولا ينجز، وعود تُعلّق ولا تُنفّذ، وبرامج تبقى حبراً على ورق. حكومات تُبدّد الزمن السياسي في سجالات حزبية عقيمة، وتُهدر طاقة الدولة في جدالات لا تسمن ولا تغني من جوع. وبدل أن تكون مُكمّلة للرؤية الملكية، تتحوّل إلى عائق بيروقراطي يبطئ من دينامية الإصلاح.
لقد آن للمواطن أن يتساءل: أإلى هذا الحد باتت السلطة التنفيذية عاجزة عن الارتقاء إلى مستوى طموح الخطاب الملكي؟ أليس من العبث أن يظل الوطن رهينة مشاريع ملكية متقدّمة، فيما الحكومة تُعيد اجترار ذات الأعذار والعلل؟
إنّ التاريخ لا يرحم المتقاعسين؛ فالأمم تُبنى بالعزائم لا بالتواكل، وبالفعل لا بالخطابة. فإذا كانت المشاريع الملكية قد أثبتت أن المغرب قادر على اقتحام المستقبل بثقة وصلابة، فإن عجز الحكومات عن مواكبة هذا المسار لا يُهدّد سوى بتعميق الفجوة بين طموح الدولة وتطلعات الشعب.
إنها لحظة فارقة تقتضي إعادة تعريف مفهوم المسؤولية الحكومية: فالمناصب تكليف لا تشريف، والتنمية التزام لا شعار، والانسجام مع الرؤية الملكية ليس خياراً سياسياً بل واجباً وطنياً.
فالمغرب، وهو يخطو بخطى ثابتة في مدار المشاريع الكبرى، لا يطيق أن تُعطّله حكومات مترهّلة، ولا أن تُحبس طموحاته في قفص الحسابات الحزبية الضيقة. إنّ الأمة التي يقودها ملك برؤية استراتيجية راسخة، تحتاج إلى حكومة بجرأة الفعل وعمق التدبير، لا حكومة تتقن فنّ الانتظار.
