بقلم عبدالرحيم بخاش

ليس من العدل أن نحاكم الحاضر في عزلة عن الماضي، فالفشل الذي يتحدث عنه الناس ليس وليد لحظة عابرة، بل هو نهر ممتدّ من الإخفاقات التي راكمتها حكومات متعاقبة، تركت وراءها ندوباً في الذاكرة الجماعية، وجروحاً في المدرسة والمستشفى، وتصدعاً في جدار الثقة.
لقد ظنّت بعض النخب السياسية أنّ المغاربة شعب سهل الانقياد، يرضى بالفتات ويكتفي بالشعار، غير مدركين أنّ الزمن يُنضج الوعي كما تنضج الشمس الثمار. وها نحن اليوم أمام جيل جديد – جيل Z – لا يقبل أن يُخاطَب بلغة الخشب، ولا يركن إلى وعودٍ بلا معنى. جيل قلب البوصلة، فاختصر الأمل في ملكه، واعتبر السياسة الحزبية سوقاً خاسرة لم تعد تغري أحداً
إنّ ما تحقق للمغرب من إنجازات كبرى في البنية التحتية، في الدبلوماسية، في بناء صورة دولة صاعدة، هو ثمرة رؤية ملكية بعيدة المدى، رؤية لا يحق لأحد أن يستغلها كرصيد انتخابي عابر. بيد أنّ هذه الإنجازات، مهما بلغت، لا تكفي إن لم تُترجم إلى تعليم يليق بالإنسان، وصحة تحفظ الكرامة، وفرص تعطي للأمل معنى
الوزراء الذين يخرجون بتصريحات مرتجلة يزيدون الجرح نزيفاً، لا لأنهم يخطئون اللغة فحسب، بل لأنهم يستهينون بذكاء مواطن يرى ويسمع ويفهم. وحين تنهار الثقة في الكلمة، ينهار معها المعنى، وتتحول السياسة إلى فراغ قاتل.
إنّ لحظتنا التاريخية تفرض علينا الاعتراف بأن المشكل ليس في حكومة واحدة، بل في بنية سياسية أرهقتها الحسابات الصغيرة، وأثقلتها رداءة متكررة. ومن هنا، فإن الإصلاح لن يكون بترقيع سطحي، بل بقطيعة شجاعة تُعيد الاعتبار للقيم، وتُعيد للمواطن الإحساس بأن الوطن ليس مشهداً عابراً، بل قدر أبدي يستحق التضحية.
وحدها المؤسسة الملكية بقيت في المخيال الجمعي مرجعاً، لأنها لم تكن يوماً رهينة مزايدات حزبية، بل ضميراً ضامناً لوحدة الكيان. ومن هنا، فإن استعادة الثقة تمرّ عبر جعل الحكومة أداة تنفيذ للرؤية الملكية، لا عبئاً يعيقها.
إنّ التاريخ يكتب الآن، والجيل الجديد يرفع صوته بلا خوف: نريد وطناً يليق بكرامة الإنسان، لا وعوداً تذروها الرياح. نريد صدقاً، لا خطباً. نريد إصلاحاً يولد من رحم الحقيقة، لا من رحم التبرير. أمّا الملك، فهو البوصلة التي تحفظ للبلد توازنه، وتبقى الكلمة الأخيرة له، لأنه وحده القادر على أن يحول المطالب إلى أفق، والأمل إلى حقيقة
