بقلم عبدالرحيم بخاش

من مدرسة البناء إلى هندسة الاستمرارية: تعيينات ملكية تؤسس لمرحلة جديدة في تدبير الشأن الترابي المغربي
في لحظة من لحظات الدولة العميقة التي تنبض فيها الحكمة الملكية بأبعادها الاستراتيجية، أتى التعيين الملكي السامي للسيد امحمد عطفاوي واليًا على جهة الشرق، والسيد سيدي الصالح داحا عاملًا على إقليم الجديدة، ليعكس من جديد ذلك النسق المغربي المتفرّد في تداول المسؤولية باعتبارها فعلاً مؤسّساتيًا لا مزاجًا شخصيًا، وامتدادًا طبيعيًا لمبدأ الاستمرارية في خدمة الوطن والمواطن.
فإقليم الجديدة، الذي شهد خلال الولاية السابقة دينامية تنموية لافتة تحت إشراف العامل امحمد عطفاوي، تحوّل إلى نموذج مصغّر للتفاعل الذكي بين الرؤية الملكية في التنمية البشرية والمقاربات الترابية المندمجة. فقد استطاع الرجل – بصلابة الموقف ورصانة القرار – أن يُحوّل الإدارة الترابية إلى ورشة متواصلة، تُزاوج بين العقلانية التدبيرية والحميمية الإنسانية، ليجعل من “عامل الإقليم” صورةً للفاعل التنموي لا مجرّد ممثل للسلطة.
وليس من قبيل المصادفة أن يحظى عطفاوي بثقة جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لينتقل إلى موقع أكبر وأعمق مسؤولية كـوالي جهة الشرق وعامل عمالة وجدة – أنجاد، وهي ثقة لا تُمنح إلا لمن أثبت، بالفعل لا بالقول، أن خدمة الوطن ليست شعارًا بل فلسفة ممارسة.
أما إقليم الجديدة، الذي راكم منجزات معتبرة على صعيد البنيات التحتية، والنهوض بالاستثمار المحلي، وتعزيز الحكامة الترابية، فقد قُدّر له أن يستقبل رجل دولة آخر من الطينة ذاتها: السيد سيدي الصالح داحا، القادم من تجربة غنية تشهد على تدرّجه في المسؤوليات من الخاص إلى العام، ومن المحلي إلى الوطني، حاملًا معه زادًا من الكفاءة التقنية والرؤية الاقتصادية المتبصّرة.
وإذا كانت سيرته المهنية – من مقاعد جامعة السوربون إلى قيادة إقليمي سيدي إفني وتاونات – قد شكلت لوحة من الانضباط والمسؤولية، فإن حضوره اليوم في الجديدة يُؤشّر على استمرار الخط التصاعدي في مسار الإقليم، ويُكرّس من جديد المعنى العميق للثقة الملكية كمبدأ للتداول المؤسّسي على السلطة المحلية في بعدها التنموي.
لقد بات واضحًا أن المملكة، في عهد جلالة الملك محمد السادس، لا تُراكم الكفاءات عبثًا، بل تُعيد توزيعها بحكمة الجراح الذي يدرك أن لكل منطقة نبضها الخاص، ولكل مرحلة رجالاتها الذين يليقون بها. فالمغرب الجديد لا يُدار بالمصادفة، بل بالبصيرة التي ترى أبعد من حدود الإدارات الترابية، إلى عمق المواطن ذاته، باعتباره الهدف والغاية والوسيلة.
إن تعيين سيدي الصالح داحا على إقليم الجديدة ليس مجرد انتقال إداري، بل هو تجديد للعهد مع التنمية المستدامة، وتأكيد على أن المدرسة التي أسسها عطفاوي ستستمر بمنهج الإصغاء، والمقاربة التشاركية، والإنصات للنبض المحلي، لتتحول “الجديدة” إلى مختبر نموذجي للحكامة الجيدة كما أرادها صاحب الجلالة في خطبه السامية.
وهكذا، يتعانق في هذا الحدث الإداري الوطني وجهان من وجوه الكفاءة المغربية:
الأول، امحمد عطفاوي الذي ارتقى بجهوده إلى مقام الولاة، مجسدًا قيمة العطاء المؤسسي،
والثاني، سيدي الصالح داحا الذي يأتي ليُكمل المسار برؤية متجددة ونسق تنموي أكثر اتساعًا.
إنها جدلية الانتقال لا الانفصال، ودرس في الوفاء للمسار المؤسساتي، حيث لا تنتهي المسؤولية بانتهاء المنصب، بل تمتد لتغدو سلسلة من حلقات الإصلاح المتواصل في مسيرة وطن يسير بخطى ثابتة نحو المستقبل، بقيادة الملك محمد السادس، نصره الله وأيّده.
