الحلقة الثانية: البيت المهجور
بقلم عبدالرحيم بخاش

حين صعدت أسرة الصحفي مصطفى باحفيظ درجات الدرج المؤدية إلى البيت القريب، كانت قلوبهم تضطرب بين الأمل والخوف. بيتٌ خالٍ من سكانه، نوافذه مغلقة، وجدرانه صامتة كأنها تعرف سرًّا لم يُفصح عنه بعد.
البيت المهجور أصبح مسرحًا لمأساةٍ لم يتخيّل أحد أنها ستقع هنا. الباب المغلق في سطح البيت كان يحجب الحقيقة، لكن الأب لم يتردد لحظة في كسره، ليظهر أمامه مشهدٌ صادم: ابنته عائشة ممددة على الأرض، في فمها رغوة بيضاء، وعيناها مغمضتان، وجسدها بلا حياة واضحة.
المطبخ الضيّق لم يترك مجالًا لهواءٍ كافٍ، والنافذة الصغيرة بالكاد تمرر شعاعًا ضعيفًا من الضوء، كما لو كان المكان كله يخنق الحياة قبل أن تبدأ الصرخة الحقيقية.
هذه اللحظات جعلت كل من عرف عائشة يتساءل: لماذا كانت وحدها هناك؟ وما الدور الذي لعبته صديقتاها في هذه اللحظة الحرجة؟
منذ ذلك اليوم، تغيّر كل شيء.
البيت الذي كان عامرًا بالضحك والزيارات، صار مغلقًا كقبرٍ مفتوح على الذكريات. الجيران يمرّون أمامه بصمتٍ، وكأنهم يخشون أن تخرج من نوافذه حكاية لم تكتمل بعد. لم يعد أحد يجرؤ على طرق بابه، فداخله تسكن رائحة الفقد والوجع الطويل.
الأب، مصطفى باحفيظ، لم يعد ذاك الرجل الصلب الذي واجه الحياة بقلمه وعدسته. صار يمشي من دون هدف، يحمل صورة عائشة في يده كمن يبحث عن ظلّها بين الأزقّة. كل مساءٍ يصعد إلى السطح، حيث وُجدت ابنته، يجلس هناك صامتًا، ينظر إلى الفراغ وكأنّه ينتظر أن يسمع صوتها من جديد. يقول الجيران إنهم رأوه غير مرة يتحدث إلى الهواء، يناديها باسمها، ثم يبكي بصوتٍ مكتوم لا يسمعه إلا الله.
أما الأم، فقد أطفأت الحزن في عينيها ضوء الحياة. صارت تجلس قرب نافذةٍ لا تُطلّ إلا على الحائط المقابل، تمسك بثوب عائشة وتشمّه كأنها تحاول أن تستعيد أنفاسها الأخيرة منه. لم تعد تطبخ، ولم تعد تستقبل أحدًا، حتى أن البيت بات يعيش على صدى الذكريات فقط.
الليل في ذلك البيت لا ينتهي. كل زاوية فيه تهمس باسم عائشة، وكل ركنٍ يحمل أثراً من ضحكتها القديمة. ومع مرور الأيام، تحوّل البيت المهجور إلى شاهدٍ على وجعٍ لا يزول، وإلى رمزٍ لعائلةٍ فقدت ابنتها وفقدت معها نفسها.
وهكذا، بقيت قصة عائشة تتردّد في الحيّ كسرٍّ لا يريد أن يُدفن.
الناس يقولون إن روحها ما زالت هناك، تراقب المكان بصمتٍ، تنتظر من يفهم ما حدث فعلًا…
لكن الجواب الحقيقي رحل معها، في ذلك المطبخ الصغير الذي ابتلع آخر أنفاسها.
تابعونا غدا الحلقة الثالثة كلنا من اجل معرفة حقيقة وفاة عائشة
