بقلم عبدالرحيم بخاش

كانت الليلة التالية صامتة إلا من نحيب الأم، وصوت الريح وهي تصفر بين نوافذ البيت المغلق كأنها تروي حكايةً من وراء الغياب. الشموع التي أضاءت مدخل المنزل لم تكن للزينة، بل للذكرى… ذكرى عائشة التي خرجت ولم تعد. كل زاوية في البيت تنطق باسمها، وكل صورة على الجدار تسأل: أين ذهبت عائشة؟
التحقيقات لم تُجب عن شيء، بل زادت الغموض غموضًا. زينب تتلعثم حين تُسأل، وغيثة تتهرب من التفاصيل الصغيرة التي قد تُغيّر مسار الحقيقة. هل تخفيان سرًّا؟ أم أن ما رأتا تلك الليلة يفوق قدرتهما على الكلام؟
في المطبخ الذي وُجدت فيه آثار وجودها الأخيرة، بقي كوبٌ نصف ممتلئ بالماء، وبجانبه وشاحها الأزرق الذي لم يُفارقها يومًا. لم تكن هناك آثار عنف، ولا دلائل على اقتحام… فقط صمتٌ كثيف يملأ المكان، كأن الزمن توقف احترامًا للمأساة.
مرت الأيام، وتحوّل بيت عائلة عائشة إلى مزار للحزن، يزوره الجيران بخطى بطيئة وعيونٍ تملؤها الدموع. ومع كل يوم يمر، يصبح السؤال أكثر إيلامًا:
هل ماتت عائشة… أم أن الغياب اختطفها إلى مكانٍ لا يعرفه أحد؟
الزمن يرسم على جدران البيت لوحة من دم وحنين، والريح تعود كل مساء لتُذكّر العائلة بأن الحقيقة ما زالت غائبة… وأن السرّ الذي يختبئ خلف تلك الليلة لن يظلّ صامتًا إلى الأبد.
لكن متى؟ متى سيُكشف الغطاء عن هذا اللغز الذي طال أمده، حتى صار الحزن فيه جزءًا من هواء الحيّ؟
وما بين انتظارٍ ودمعة، تبقى روح عائشة معلّقة بين سؤالٍ لم يُجب بعد… وحقيقةٍ تنتظر أن تخرج من بين أنياب الصمت.
